فرانز شوبرت

 

“ ارتحل صامتاً، ومَرحي زهيد
واتنهد مُتسائلاً بإلحاح، إلى أين ؟ “

Franz_Schubert_by_Josef_Eduard_Teltscher

Franz Schubert, by Josef Teltscher

 

ذلك التساؤل المضني والبحث الدائم عن الإنتماء في أغنية فرانز شوبرت D.493 يدلنا على أحد جوانب شخصيته الحالمه.
شوبرت الذي كثيراً مايجدونه أصدقاءه يتجوّل منفرداً، مُخفياً يديه وراء ظهره ويلعب بأصابعه كمن يعزف البيانو، وعينيه مُنخفضتان للأرض. غارق تماماً بعوالمه الموسيقيه الخاصه.

 

 

 ..فأنا لم آتي إلى هذا العالم لهدفٍ آخر سوى أن أكتب الموسيقى.

  يرتحل بفكره وفنه ليَعيش و يُعيّش المستمع تجارب مختلفه كالتي يعيشها الرّحالة المتجولون، فبالاستماع إلى شوبرت تمر علينا مشاهد متعدده للحياة المتجدده من حولنا، مشاهد طبيعيه خلابه ينقلها لنا شوبرت كصورة حيوية ومتفاعله. جعل الشجرة، النجمه، والنهر يتحدثون إليه، وصوّر لنا سمك السلمون وهو يسبح في النهر الصافي. وبأعمال أخرى يُرينا حقيقة الانسان ويمزجنا بتفاعلاته العاطفيه؛ بفرحه وحزنه، بطمأنينته وخوفه من الموت. مستعينا بذلك بالابيات الشعريه الجميله التي كتبها أشهر شعراء عصره؛ مولر، چوته وشيلر. فأبدع شوبرت في كتابة الأغنية الألمانيه التي تسمى الليدر(Lieder) وكتب عدداً ضخما منها يزيد عن ٦٠٠ ليدر وبذلك كان له الدور الكبير في تطوير الأغنيه وإعادة خلقها من جديد لتصبح من فن بسيط وغير مُقدر إلى خط جديد من الفنون الموسيقيه مارسه من بعده العديد من الموسيقيين القديرين، وربما أحد أكبر وأجمل الأمثله في ذلك هو عمله الغنائي الأخير “رحلة الشتاء”  الذي خصصت له تدوينه منفرده وترجمت قصائدها.

رغم نشوءه في عائلة موسيقية متعلمه، فأبوه علمه عزف الكمان وأخوه علمه البيانو حتى أصبح بعد ما كبر معلماً للموسيقى في مدرسة أبيه، برغم تشجيعهم له بعزف أولى أعماله التي ألفها، إلا أن شوبرت لم يكن ينتمي إليهم ولا إلى العالم المحيط به ولم يحظى بعلاقة حب ناجحه و دائمه، لم يكن مستقراً طوال حياته القصيره وكان ذلك ظاهراً في أعماله التي يتخللها لحظات من عدم الاستقرار النغمي ( هارمونيا) وفي أحيان أخرى يكون استقراراً خادعاً يزول سريعاً، كان شوبرت يحاول العيش بخيالاته تلك مع أصدقاءه عندما يجتمعون في “ الشوبرتيارد” نسبة إلى شوبرت: التجمع الذي كوّنه شوبرت ليعيش وأصحابه عالماً منعزلاً بالموسيقى ( موسيقاه خصوصاً) وبالفن والشعر والفكر المتحرر من أية قيود، كان التجمع يُعقد في بيت صديقه الارستقراطي المقرب شباون، ويضم مجموعة من الشعراء والكتّاب كصديقه الشاعر مايرهوفر الذي كتب عدة أغانٍ لشوبرت والأديب والكاتب المسرحي جريلبارتسر، والعديد من الرسامين مثل كوبلڤيزر و شڤنت وبعض الارستقراطيين، وصديقه المغني الأوبرالي ڤوچل الذي غنى كثير من أعمال شوبرت، بالإضافه إلى شوبر صديقه الفاسق. يدور في الشوبرتيارد نقاشات فكريه وفلسفيه، ويستعرض الفنانون أعمالهم لأصدقاءهم المقربين، هذا النوع من التجمعات يساعد في خلق جو حميمي يسهل فيه مشاركة الفنون المتنوعه وتبادل الخبرات ويوفر فرصة للنقد المعنوي للعمل الموسيقي من مختلف التصورات الفنيه من غير المتخصصين بالموسيقى، في حين أن النقد الموسيقي من قِبل المتخصصين يكون في كثير من الأحيان مقتصراً على قواعد التأليف الموسيقي ومدى إلتزام المؤلف بها من دون الاهتمام بالمعنى أو الرساله التي يريد المؤلف إيصالها للمستمع.

Julius_Schmid_Schubertiade

Schubertiade by Julius Schmid

مَن سيعوضنا بساعة واحده من تلك الأوقات السعيده؟ تلك الحميميه التي جمعتنا وتبادل فيها كل منا وبخجلٍ باكورة فنه، مُنتظراً بتوجس، حكمهم الصادق والمحب، ذلك الوقت الذي كنا فيه نمجد بعضنا الآخر ونشجعه، وتُلهمنا غايتنا المُوحدَه للجمال..

تلك الأمسيات ساعدت قليلاً في شهرة شوبرت بڤيينا، الا أنه لم يستطع نشر إلا قليل جدا من أعماله، برغم محاولات أصدقاءه مع الناشرين، لأن شوبرت لم يكن معروفاً في المجتمع الموسيقي هناك، ويعود ذلك لعدة أسباب منها؛ ضعف موهبته في الإبهار بالعزف، حيث أنه لم يكن يملك مهارات عزف عاليه مع أنه كتب أعمالاً لم يكن باستطاعته عزفها، ولكن السائد آنذاك أن يُقدّر الموسيقي من موهبته في الارتجال والعزف، كموتسارت الذي حاز على شهره عظيمه منذ صغره بسبب انه كان يبهر الجمهور بالعزف حاجباً عينيه. واعتقد ان هنالك سبب آخر لعدم شهرته؛ شمس بيتهوفن الطاغيه حجبته. فشوبرت كان معاصراً لبيتهوفن، بل كانوا في نفس المدينه، والعجيب أن شوبرت لم يلتقيه اطلاقا وكان يقف قريباً من باب بيته يحاول الدخول فيتراجع رهبةً، حتى تمكن مرة من ارسال بعض أغنياته لبيتهوڤن ليجد انبهاره ببراعة شوبرت في كتابة الليدر. وهنالك سبب محتمل آخر في عدم شهرته يعود إلى شخصية شوبرت نفسه، حيث أنه لم يكن واعياً أو فقد الإهتمام في التسويق لفنه، فمثلاً لم يكن يفكر بإقامة حفل عام إلا بعد إصرار وترتيب من قِبل أصدقاءه بهدف تحسين وضع شوبرت المالي.

برغم أن حياة شوبرت كانت قصيرة، الا انه كتب كماً كبيراً من الأعمال، وهو في عمره 18 تفجر لديه الإبداع بشكل مذهل، في سنة واحده كتب مايقارب 230 عمل! موزعة بين أغانٍ قصيره وأعمال كبيره ( سمفونيات، أوبرات، عدد من القداس الجنائزي، ورباعيات وتريات)  وهو مازال يافعاً في عمر 18، قدّر بعض الباحثين ذلك الانتاج بمعدل كتابة 60 مازورة موسيقية يومياً. الرقم هذا هائل لناسخٍ للنوته لا يحتاج وقتاً للتفكير، فكيف بمن يؤلف 60 مازورة! التأليف الموسيقي يتطلب التفكير بأمور عده (صياغة اللحن الأساسي الذي كانت موهبته جيدة فيها، عوضاً عن الهارموني؛ العلم العميق والمتشعب، اختيار الأصوات والآلات المناسبه لكل نوته في القطعه، بالإضافه إلى جمع كل تلك العناصر و نظمها في قالب موسيقي متعارف عليه). ربما يعود ذلك إلى التزامه بروتين للكتابه في تلك الفتره، يجلس على مكتبه منذ السادسة صباحاً و يبدأ بالتأليف حتى الواحده ظهراً.

by Heinrich Hollpein

 

حين كان يدرس الغناء في الكنيسة التقى بفتاه اسمها تريزا، افتتن بها لا لجمالها أو حسن مظهرها، بل بصوتها السوبرانو الشجي. كتب لصوتها عدة أغانٍ و أعطاها الدور الرئيسي في القداس الجنائزي الذي كتبه للكنيسه، ولكن القصة لم تكتمل كما يقول شوبرت عندما سأله أحد أصدقاءه :

 أحببت فتاه بشكل كبير وقابلتني هي بنفس الحب. كانت ابنة أحد المعلمين، أصغر مني سناً، و كانت تغني غناءً جميلاً و بإحساس عظيم. لم تكن جميلة تماماً وكان على وجهها آثار للبثور. ولكن كانت تملك قلباً. قلباً من ذهب. طوال ثلاث سنوات كانت تتمنى أن أتزوجها؛ ولكني لم أستطع أن أُوفقَ الظروف التي تجمعنا سوياً. وبعد ذلك تزوجت هي برجل آخر، وذلك آلمني كثيراً. لا أزال أحبها، وحتى الآن لم يُبدل أحد مكانتها في قلبي. ولكن من الواضح أنها لم تكن من نصيبي.

في نفس العام 1814م كتب شوبرت أغنيه من مسرحية فاوست لچوته، الأغنيه من قصيدة المشهد الخامس عشر من المسرحية للفتاه غريتشن التي تصفُ لهفتها وعشقها للبطل فاوست وهي تعمل على غزل الصوف باستخدام عجلة دواره، شوبرت عند كتابته للأغنيه حاكى عملية الغزل بالبيانو المرافق للصوت الغنائي بجزئيه؛ 1. كان يحاكي دوران العجله بسلسة متكرره من نوتات الدبل كروش السريعة وغيّر من سرعتها في بعض المقاطع مما أعطى انطباعاً واضحاً بالدوران والحركه لدى المستمع، وعند وصول كلمات القصيده إلى : “ آه، وقُبلَته! “ تتوقف غريتشن عن تدوير العجلة من فرط العاطفه في تلك اللحظه، ثم يتوقف الغناء وترجع نفس السلسله ولكن ببطء وتَردُد وكأنه يصور غريتشن وهي تحاول استعادة نفسها والتركيز على نظم خيوط الصوف. 2. حاكى فيه حركة القدم عند تحريكها للعجله كل مره.

Screen Shot 2016-03-03 at 11.01.44 PM

كيف فهم شوبرت عاطفة الانثى و هو لايزال بعمر المراهقه حين كتب هذه الأغنية؟ ربما لأنه كان قارئاً جيداً للأعمال الأدبية في عصره. المؤسف  أنه حاول إرسال أغنيته هذه للشاعر الذي كتبها وأرفق معها أغانٍ أخرى مكتوبة من قصائده، لكن چوته لم يكن مشجعاً له وأعاد الرسائل غير مفتوحة، بالرغم من شغف شوبرت وتقديره لأعماله فقد كتب أكثر أغانيه من أشعار چوته.

الأغنيه مترجمة للعربيه:

شوبرت لم يكن يكتب مذكرات خاصة به، ولكن قد وُجدت ورقه له معنونة ب “حلمي” استنتج الباحثون أنها أقرب إلى ان تكون قصة من نسج خياله فبعض أحداثها لم تكن حقيقية تماماً، ولكنها بالتأكيد تعطينا تصوراً واضحاً عن طبيعة علاقة شوبرت مع عائلته ومدى توقه للترحال. المذكره التي كُتبت عام 1822م كان نصها:

 كنت أخاً للعديد من الأخوة والأخوات، أبي وأمي كانوا عطوفين، وكنت أكرس نفسي لهم بحب. يوماً ما أخذنا أبي إلى عيد ديني، أخوتي كانوا مرحين جداً هناك، وأما أنا فقد كان ظاهر عليّ الحزن، فاقترب مني والدي وطلب مني تذوق الأطباق الشهيه، ولكنني لم أرغب بذلك، فغضب والدي وابعدني من أمامه. أدرت أنا خُطاي وقلبي مليئ بحب لامتناهٍ للذين يزدرونني. رحلت إلى مناطق بعيده، لسنوات وسنوات شعرت أنني ممزق بين أعظم حزن وأكبر حب. حتى وصلتني أخبار وفاة أمي، فاسرعت لأراها، و والدي الذي أصبح مكسوراً من الحزن لم يمانع عودتي، رأيت جثمانها وانسابت الدموع من عيني، رأيتها مستلقية هناك كمثل الأيام الماضية السعيده، ثم تبعنا جثمناها بحزن حتى دُفن في عمق الأرض.

بقيت في المنزل منذ ذلك الوقت، ومرةً اصطحبني والدي لحديقته المفضله، وسألني إن كنت قد أحببتها، ولكنها أشعرتني بالوحشه وكنت متوجساً من أن أفصح عن رأيي، فسألني مره أخرى وبوجهٍ محمر غضباً “هل أعجبتك الحديقه؟” نفيت ذلك وأنا أرتجف، فضربني والدي وهربت، و مرة أخرى أدرت خطاي وبقلب مليئ بحب لامتناهٍ للذين يزدرونني، ومرة أخرى رحلت بعيداً، لسنوات وسنوات غنيت أغانٍ، وحين كنت أغني حُباً يتحول غنائي ألماً، وإن غنيت ألماً يتحول غنائي حُباً، هكذا كنت ممزقاً بين الحب والألم.

ويوماً ما علمت أن عذراء طيبه قد توفيت للتو، فاجتمع الناس وكونوا دائرة حولها وتبعوا جثمانها جميعاً صغاراً وكباراً كما لو أنها بركة خالده، وأصبحوا يهمسون بهدوء كأنهم لايودون إيقاظها. نفحات من سكينة سماويه قد أُغدقت على الصغار من قبر العذراء وكأنها قبسات مباركه يُصدر تلألئها صوتاً رقيقاً. أنا أيضاً تقت بشده للذهاب هناك، يقولون أن المعجزه وحدها ستُدخلك في تلك الدائره، ومع ذلك تقدمت باتجاه القبر بخطواتٍ بطيئه ونظراتٍ منخفضه مملوءاً بالإخلاص والإيمان الراسخ، وقبل أن أعي مايحدث وجدت نفسي بداخل الدائره. صوت أخاذ يصدر منها بشكل عجيب وكأن كل البركات الخالده قد اجتمعت في لحظة واحده. ورأيت والدي أيضاً، راضٍ ومُحب، فأخذني بيديه وبكى، ولكن ليس أكثر مما بكيت.

ذلك المشهد الملائكي لجنازة الفتاة الصغيره يذكرنا بأغنية قد كتبها شوبرت سابقاً: أغنية “الموت والعذراء” من أحد أشعار ماتيوس كلاوديوس، عن فتاة زارها الموت وهي لاتزال صغيرة وعذراء:

كان موقف موت العذراء الذي تحدث عنه شوبرت في حلمه لايزال راسخاً في ذهنه خصوصا بعد معرفته بمرضه وموته المحتوم، فكتب رباعية الوتريات رقم 14 بناء على ألحان تلك الأغنيه، الفكره الرئيسيه في الأغنيه والرباعيه هو التباين الواضح بين الحياة والموت، بين الحده بالصوت وغلظته، بين الألحان المشرقه والكئيبه، وبين سرعة ونشاط الحياه وخمود وبطئ الموت. الرباعية يعزفها أربع عازفين (2 كمان، ڤيولا، تشيلو) ومكونة من أربع حركات:

الحركة الأولى:

مكتوبة بقالب السوناتا وبسرعة أليچرو(سريع جدا) للتيمبو مما يجعل المستمع يشعر بالحركه المتوتره التي تشبه الهروب، تبدأ المقدمه بعزف متحد ومفاجئ لنوته واحده D، ثم يليها موتڤ لنوتات ثلاثيه (استخدم شوبرت هذا الموتف الثلاثي كثيرا ليملأ الحركة بأكملها به)، ثم يتغير فجأه مود الشده الى رقة حين يُعزف لحن كورالي وتعبيري، هنا يحدث أول تباين من التباينات المتعدده في هذا العمل.

حتى يدخل اللحن الأساسي (على مفتاح F) بعد صمت وجيز معزوفا على الڤيولا وكأنه استكمال للحن الكورال الأول في المقدمه ثم ينتقل ليعزف بشكل أساسي على الكمان الأول مصحوباً بعزف للموتڤ الثلاثي بشكل متواتر من باقي الآلات.

Screen Shot 2016-07-26 at 11.03.20 PM

اللحن الأساسي الثاني مختلف بطبيعته ولا يميل لحدة المزاج بل بالأريحية و يوحي بالسخرية، ربما كان شوبرت يقصد به سخرية الموت:

Screen Shot 2016-07-26 at 11.05.56 PM

ثم تنتقل القطعه إلى قسم تطوير الألحان و يعبر عن الانتقال بسلسة من العزف المنفرد على الكمان الأول سريعاً و متحولاً بين مفتاح وآخر، حتى وصل إلى تطوير اللحن الأساسي الثاني ثم الأول، كان يحوي بشكل عام تغيرات مفاجئه وسريعه بين البيانيسمو (انخفاض شديد للصوت) و بين الفورتيسمو (ارتفاع شديد للصوت)، ثم بعد ذلك يصل إلى مرحلة إعادة اللحنين الأساسيين نفسهما كما عُزفوا أول مره. وعند الاقتراب من خاتمة هذه الحركة نسمع صوت الموت المهيمن بنوتة D المنخفضه وبمحاولة أخيره من العذراء للافلات من قبضة الموت:

 تصوّر الكودا (الختمه) الانفاس الأخيرة للعذراء بصوتها الحاد يليها صوت الموت بنوتات الموتڤ الثلاثي معزوفة على أخفض صوت وكأنه بذلك يعبر عن انتصاره.

Screen Shot 2016-07-26 at 11.10.44 PM

الحركة الثانية: 

كتب شوبرت هذه الحركة الأكثر شهرة بسرعة أندانتيه (بطيء) للتيمبو وجعلها بقالب لحن أساسي وخمسة تنوعيات عليه، وكل جزء من التنويعات يُعاد عزفه مره اخرى، واختار لحنها الأساسي المكتوب بمفتاح G ماينر ليكون هو نفسه اللحن المهيب لقدوم الموت في الكوردات الأولى لأغنيته الموت والعذراء، يستطيع المستمع تمييزه بشكل واضح:

Screen Shot 2016-07-22 at 10.39.39 AM

التنويعه الأولى

بصوت منخفض (بيانيسمو pp) يعزف الكمان الأول اللحن بخفة وبشكل متقطع فوق خلفيه عزف للموتڤ الثلاثي من الكمان الثاني والڤيولا، والتشيلو يعزف بتكنيك البتزيكاتو (نقر الوتر بالأصابع)

Screen Shot 2016-07-22 at 10.42.21 AM

التنويعه الثانية:

يترأسها التشيلو ويعزف اللحن بشكل غنائي بديع مصحوباً بعزف من الكمان الأول والثاني ولكن بنوتات أسرع مع ارتفاع الصوت قليلاً ليصبح (بيانو p)

Screen Shot 2016-07-22 at 10.48.58 AM

التنويعه الثالثه:

هذه المره تبدأ الآلات جميعها بعزف اللحن بقوة عاصفة وبصوت عالي جداً (فورتيسمو ff)، ثم تتبدل الأدوار فيعزف الكمان وحيدا اللحن متوسلا بضعفه، يتضح هنا التباين في هذه التنويعه بين القوة والاتحاد بالعزف وبين الضعف والانفراد، حتى تصل الى مرحلة من الشد والجذب بين الكمان والتشيلو

Screen Shot 2016-07-22 at 11.01.16 AM

التنويعة الرابعه:

يتغير فيها المفتاح الى الميجر السعيد ويعود الصوت إلى بيانيسمو منخفض. ويعزف الكمان لحناً رقيقاً يوحي بالسلام وكأنه تصالح مع الموت

Screen Shot 2016-07-22 at 11.07.25 AM

التنويعه الأخيره:

لم يستمر الميجر طويلا فبهذه التنوعيه الأخيره أعاد شوبرت مفتاح الماينر السوداوي وصبغها بطابع الختام وذلك بعزف من الكمان الثاني والڤيولا لجزء من اللحن الأصلي ولكنه عزف على نوتة ♭B الثالثه في سلم G، اختيار النوته الثالثه اعطى اللحن بُعداً مختلفاً بالإضافه إلى علو لحن الكمان الأول المنفرد واستمرار التشيلو المنخفض بعزف الموتڤ الثلاثي، هكذا يعلو مستوى الصوت تدريجيا مصورا بهذا صعود الروح للسماء.

Screen Shot 2016-07-22 at 11.09.48 AM

وبختام التنويعات ينخفض الصوت لأخفض نقطه معبراً بذلك عن صمت الموت، ويعود السكون بختام القطعه بسلام على مفتاح G ميجر.

على مدى العشر سنين الأخيره من حياة شوبرت، كان هناك تغير ما في حماسه ونشاطه وتغيرت عاداته وطريقته في الاستمتاع في لياليه، تلك الحياة التي توصف بالبوهيميه أدت إلى إصابته بالسفلس. كان وقتها منشغلاً بكتابة سمفونيته الثامنه وتوقف عن إكمالها حين عَلم بمرضه (اُسميت  بالسمفونيه الناقصة)، فتوجه مباشرة لكتابة فانتزي للبيانو: فانتزي الرحّاله رقم D. 760 المستوحى من أغنيته (الرحّاله) التي أرفقتها في أول التدوينه، الأغنيه بطبيعتها هادئه وتأمليه بعكس الفانتزي المؤلفه منها والتي غلب عليها الغضب وسوداوية المزاج، ثم إن عزفها يتطلب مهارة عاليه، شوبرت نفسه لم يكن قادراً على عزفها وكتب ملاحظه عندها “ فليعزفها الشيطان ! “

شوبرت قاوم المرض لعدة سنوات و مازال يكتب و ينضج بنوعية الأعمال التي ينتجها، وفي عام 1824 كتب رسالة لصديقه كوبلڤيزر، كان نصها:

..باختصار أشعر بأنني أتعس وأكثر المخلوقات حزناً على هذه الأرض، تخيل رجلاً خسر صحته للأبد، وبيأسه هذا يجعل الأمور تصبح أسوأ بدلاً من أفضل. تخيل رجلاً، سيفنى وأمنياته لم تتحقق بعد. رجلٌ لا يقدم له الحب والصداقه سوى المزيد من الألم. وحماسه لكل الأشياء الجميله مُهدد بالتلاشي، وأسأل نفسك: أليس كائناً حزيناً وتعيساً ؟ – * لقد فقدت سلامي، قلبي أصبح ثقيلاً، لن أجد السلام، لن أجده بعد الآن أبداً- أغني هذه الأبيات كل يوم. في كل ليلة عندما أخلد للنوم اتمنى أن لا أصحو مجدداً، وكل صباح يُذكرني بحزن الأمس

*اقتبس شوبرت قصيدة جريتشين من فاوست

 وفي الشهور الأخيره من حياته كتب ثلاث سوناتات للبيانو توازن أهميتها نصف ماكتب من أعمال أخرى، إحداها كانت السوناتا D.959 مكتوبة على مفتاح A major. أذكر قبل سنة سألني أحد الأصدقاء إن كنت أعرف فرانز شوبرت فأجبت بجهل فادح: -لا، ليس تماماً- أدركت حجم فداحتي تلك عندما استمعت صدفة لهذه السوناتا التي عشت فيها تجربة سماعيه لا مثيل لها، و رغبت بشدة عزفها على البيانو برغم مهارتي البسيطه، في الواقع أنها كانت الدافع الأقوى لي للبحث عن شوبرت واكتشافه.. سأختصر بالحديث عن الحركة الثانيه منها فقط:

كُتبت بقالب ثنائي، أ ب أَ  (لحن أ، ثم لحن ب، ثم يعود اللحن أ) و دوّن شوبرت سرعة العزف ب أندانتينو (سرعة بطيئه) وكتبها على مفتاح F# ماينر، ابتدأ الجزء “أ” مباشرة من دون مقدمه، لحناً خافتاً؛ كطيفٍ لرقصة ڤالس، مملوءً بالتنهدات، الجمل اللحنيه فيه تبقى معلقه دون استقرار غير مختومه هارمونياً ( شوبرت أنهى الجمل اللحنيه القصيره بالكورد الخامس وتسمى هذه الختمه في علم الهارموني بالخاتمه المنقوصه)، يتوسع اللحن و يصعد تدريجياً مُمهداً لسقوط سريع “كأغنية لملاكٍ ساقط، يرثي فيها فقدانه براءته”  كما وصف المحلل الموسيقي تشارلز فيسك

Screen Shot 2016-07-22 at 8.39.41 PM

 يخفي ذلك اللحن عاصفه غاضبه تظهر ومضات منها خلال اللحن كمن فقد السيطره على كبح جماحها للحظات، ثم يتردد صدى جوابها في المساحه القاحله لليأس

 يُعزف مره أخرى نفس اللحن ولكن بمصاحبة هارموني مختلف؛ A major المفتاح المقابل للماينرF#، ذلك الهارموني أوحى بمشاعر السكينة برغم كئابة اللحن، كمن وجد الصديق المناسب ليشكو له همومه

 بعد ذلك يتضاعف كل ماسبق بإلحاح بزيادة اوكتف، ينتهي بذلك الجزء أ

الجزء ب :

تُسمع نوتات متفرقه تصعد لأعلى المدى الصوتي كطير ضعيف يحاول الهروب من عاصفه حتميه، يفشل من الهروب، فيسقط في دوامة العاصفه مترنحاً يميناً و يساراً، فيتوه ويفقد اتجاهات المكان كما فُقدت التوناليتي (فُقد الأساس الهارموني الذي يقود النغمات ويكوّن تأثيرها)

يرتجف رعبة ويسقط في هاويه لانهاية لها يتلقى فيها سلسة من الصدمات القوية تستهلك كل ما يملكه العازف من قوه; نوبة اضطرابات مفزعه قد انكشفت بكاملها. أينقل لنا شوبرت مايشعر به من اضطرابات عصبيه جراء تداعيات مرض السفلس؟

  و بعد تلك النوبه تبدأ الألحان المتقطعه محاولات مقاومة تُسكت بكوردات صارخه، وشيئا فشيئا تنجح في المحاوله ويحدث التصالح أخيراً باتفاق الهارموني في آخر كورد، مُلتقطاً انفاسه بعد ذلك

الآن اتضحت الرؤيه وظهر الضوء واستقرت الالحان على مفتاح C# ميجر المشرق

 “شوبرت يعرف، أكثر من أي مؤلف موسيقي آخر، كيف يَقبل و يُرحب بالتصالح. وهكذا، في نهاية الجزء العاصف في الحركه الثانيه، أُسقط الستار عن المشهد الكارثي بلمسة رضى مباركه.” Kurt Oppens

ونتيجة للتصالح الذي لامفر منه بعد الانهاك، يعود الجزء أ، ولكن يعود بطريقة تؤكد أن شوبرت، البارع في تصوير المشاهد، كان ينقل لنا بكل حرفيه عمق مشاعره وافكاره حيال مرضه، اللحن الغير مختوم نفسه يعود مُضافا فوقه نوتة C# رنانه وكأنها شهقات بكاء متكرره

و تنتهي حركة الاندانتيونو هذه بهمسات شبحيه

في نهاية عام 1828 شوبرت كان مريضاً جداً وبأمس الحاجه لمن يرعاه فانتقل إلى منزل أخيه، كتب آخر رسالة منه إلى صديقه يخبره أنه لم يستطع أكل أو شرب أي شيء منذ أحد عشر يوماً ولكنه كان قادراً على القراءه ، بل وشغوف بقراءة أعمال جايمس كوبر فقد أنهى عدد من أعماله وطلب من صديقه تزويده بالأعمال الأخرى التي لم يقرأها بعد. صديقه هذا الذي ارسل له شوبرت هذه الرساله هو شوبر الذي له علاقه لايمكن تجاهلها بإصابة شوبرت بالسفلس، فقد كان المرافق الدائم له في لياليه، وبمجرد علمه بمرض شوبرت نفر منه وتجنب الإلتقاء به خوفاً من العدوى. كانت أمنية شوبرت الأخيره هي الاستماع لرباعية الوتريات op.131 التي كتبها بطله ومثله الأعلى بيتهوفن، عزفها له أصدقاءه وهو على فراش الموت وفارق الحياة بعد ذلك بأربعة أيام في 19 نوفمبر 1828 وعمره لم يتجاوز الواحد والثلاثين، دُفن بجانب قبر بيتهوفن في ڤيينا، بيتهوفن؛ الذي كان شوبرت يحلم أن يلتقيه حياً أصبح بجانبه للأبد، وبمكانة وتقدير توازي مكانة بيتهوفن.

1280px-Beethoven_and_Schubert_graves_-_Zentralfriedhof_Vienna

*قبر شوبرت في جهة اليمين، وقبر بيتهوفن في اليسار

—-

References:
–  BBC 3
 – Jeremy Siepmann Audio book
 – Charles Fisk, Returning Cycles

رحلة الشتاء

هي مجموعة قصائد غنائيه كتبها الشاعر فيلهلم مولر مكونه من ٢٤ قصيده، ألّفها فرانز شوبرت لتُغنى بصوت تينور مع عزف بيانو.(رحلة الشتاء) تحكي بتجرّد من التفاصيل ٢٤ فصلاً عن قصة رجل غريب أحب فتاة في القرية التي يسكنها، الفتاه لم تقابله بنفس المشاعر فخابت آماله بالإرتباط بها. قرر بتهوّر الرحيل ليلاً من دون تحديد الوجهه ولاتجهيز وسيلة السفر في برد الشتاء القاسي فرحل مشياً على قدميه. تفاصيل القصه مبهمه واعتبر ذلك كأحد جمالياتها فهي بالنهاية مونولج لشخصية واحده (الرحال) نفهم من خلاله أجزاء من القصه ونعيش معه كل التجارب الشخصية التي يخوضها رحال وحيد وبائس.

في الوقت الذي كان كان شوبرت منهمكاً بكتابتها كان أصدقاءه يجدونه مغتماً ومنشغل البال، وعندما سأله صديقه شباون عن مايشغله أجاب شوبرت: ”قريباً، ستسمع وتفهم” بعد ذلك بأيام طلب شوبرت من شباون القدوم للاستماع :”تعال اليوم إلى منزل شوبر، وسأغني لكم مجموعة أغانٍ مذهله، أتوق لمعرفة آرائكم عنها. لقد كلفتني جهداً أكبر من أي أغنياتٍ أخرى”

فغنى شوبرت لهم مجموعة أغان رحلة الشتاء كاملة بصوتٍ مشبع بالشاعريه، كما يصف شباون، وكان المستمعون مذهولين تماماً باللون النغمي الحزين والمُعتم لهذه الأغنيات. وبعد انتهاءه من الغناء أبدى شوبر صديقه رأيه بأن أغنية واحده قد لاقت استحسانه فكان رد شوبرت له : “ لقد أحببت تلك الأغنيات أكثر من أي أغنيات أخرى، وستحبهم جميعهم كذلك مثلي.”

قد بدأ شوبرت كتابتها عام 1827 الوقت الذي كان يقاسي فيه أعراض مرض السفلس من الدرجة المتقدمه وأصبح موقناً بنهايته المحتومه، في ظروف كهذه اختار أن يكتب (رحلة الشتاء) في رحلته القاسيه مع مرضه كقسوه برد الشتاء.

الشاعر مولر كتب هذه القصائد (أو الأغاني كما يسميها) بهدف أن تُغنى، وقد كتب لها عدد من الموسيقيين ألحاناً متعدده، ولكن ماكتبه شوبرت من فهم عميق للصوره الفنيه وقدرة مُبهره في أعادة خلقها بالموسيقى وإيصالها للمستمع جعل من هذا العمل الأكثر شهرة وانتشاراً، المؤسف أن مولر لم يكن على علم بما كتبه شوبرت لقصائده.

عند استماعي لرحلة الشتاء أول مره، ذُهلت بكمية المشاعر التي عشتها فيها، كانت مشاعر مبهمه لأن الترجمة لم تكن متوفره دائماً، فعزمت على ترجمتها للعربيه بهدف استكشافي الخاص بدايةً، وجدت أن ترجمتها من لغتها الأصليه (الألمانيه) أجود وأكثر شاعرية، مع انعدام تجربتي بالترجمه وترجمة الشعر خصوصاً، لذلك أرحب بأي اقتراح يجعل من أغاني رحلة الشتاء صورة أجمل. بمصادفة البحث وجدت إعلان حفل لأداء هذا العمل من تنظيم هيئة أبوظبي للسياحه في مايو السابق، كان أداء الغناء من قِبل المغني ماتيوس جورن المميز بصوته الغليظ، بالنسبة لي؛ كان حضور الأداء قد قرّبني أكثر من تجربة الرحال خصوصاً مع وجود ترجمة للعربيه مُعدة من قِبل الهيئه (تختلف عن ترجمتي) وأُلقيت محاضره ثريه قبل الحفل عن العمل وعن شوبرت وعن حركة الرومانتيك في ألمانيا.

Processed with VSCOcam with p5 preset

Matthias Goerne: Winter Journey, May 16 2016, Abu Dhabi: Manarat Al-Saadiyat

شوبرت كتب نسختين للعمل بتغيير المفاتيح النغميه التي كتبت بها الأغنيات لتناسب اختلاف الطبقات الصوتيه للمغنين، في هذه التدوينه استخدمت النسخه الأولى والتي قد تختلف مع التسجيل المرفق.

١.ليله سعيدة :

استفتح فيلهلم مولر قصائد رحلة الشتاء ب ليلة سعيدة، كلمات القصيدة تختصر في أبياتها الأولى قصة الرحاله بالكامل، كان من الواضح انه ليس من اهل تلك البلده، وفي شهر مايو كان واقعاً بحب فتاه تعيش هناك ويرغب بالزواج منها، لم تنجح تلك العلاقه لسبب ما لذلك أصبح العالم باهتاً في نظره، فعزم على الرحيل مبتعداً عن المكان ولكن قبل رحيله خفية بالليل ودّع الفتاة وهي نائمه بكتابة “ليلة سعيدة” على بابها.

Screen Shot 2016-07-01 at 9.25.24 AM

عند أول استماع للأغنيه نؤخذ بفكرة المشي والخطوات الدؤوبه التي خلقها شوبرت في كوردات مقدِمة الأغنيه التي ابتدأها على مفتاح D ماينر وكتب السرعه: “ Mässig, in gehender Bewegung أي: معتدل، في حركة مستمره”  كالخطوات التي يخطوها الرحال بقدميه، ومن بين تلك الخطوات استخدم شوبرت بتكرار كورد الديميشند الناشز والحاد ليُمثل الألم الحاد الذي يعانيه جراء خسارته لحبه.

عند غناءه الأبيات الأولى: “الفتاة تحكي عن الحب…والأم أكثر، عن الزواج “ غيّر شوبرت الهارموني المصاحب لتلك الكلمات إلى مفتاح F ميجر السعيد واخفى صوت الكورد الناشز ليجعل المستمع يعيش تلك الفكرة السعيده والآمله بنجاح علاقة الحب. وما إن انتهى من تلك الكلمات حتى تحوّل المفتاح إلى G ماينر الحزين ليغني “ أصبح العالم باهتاً الآن…والطريق أخفاه الثلج” و كرر هذه الفكره عند نهاية كل جزء من القصيده.

إلا عندما غنى “ لن أنغص عليكِ أحلامك…بل لا أجرؤ على أن أقلق راحتك” خلق شوبرت جواً يوحي بالهدوء والطمأنينه التي يشعر بها النائم بخفض الصوت إلى بيانيسمو وجعل السرعه أبطأ وتغيير المفتاح إلى D ميجر هادئ.

٢.طاحونة الرياح:

يحاول شوبرت عند كتابته لمقدمة لهذه الأغنيه أن يصوّر صوت صرير الطاحونه الضخمه عند دورانها، التي يشاهدها الرحال من مسافه بعيده وهو غاضب مما حدث له ومشتكياً عدم اكتراث عائلة الفتاه بحزنه، تلك اشاره واضحه بضرورة رحيله، الأغنيه كتبت على مفتاح A ماينر ويتضح فيها الاضطراب وعدم الاتساق في الريثم الناتج عن الغضب.

٣.الدموع المتجمدة:

Screen Shot 2016-07-29 at 5.42.53 PM

تصوّر هذه الأغنيه المكتوبه على مفتاح D ماينر، فشل الرحال في محاولة قمع مشاعره ليتفاجأ بدموعه المتجمده تتساقط منه، وعندها يتسائل الرحال محادثاً دموعه: “ أأصبحت فاترة هكذا؟”  كتب شوبرت ذلك المقطع بأخفض مدى صوتي للمغني ليصوّر بذلك الصوت الداخلي لمن يحادث نفسه، الكوردات المكتوبة بتكنيك الستكاتو في مقدمة الأغنية توحي بتساقط قطرات على الأرض ، والنوته الخامسه التي تعزف طويلا دون تغيير وبشكل واضح للمستمع تجعلنا نشعر بالتجمد.

٤.جمود:

ابتدأت هذه الأغنيه بمقدمه بيانو متوتره ومندفعه مكتوبة على مفتاح C ماينر، يتضح سبب التوتر عندما يبدأ الغناء؛ إنه لم يرحل بعد، واخذ الشوق منه مأخذاً كبيراً حتى ذهب للبحث عن آثار خطواتها في المرج المغطى بالثلج، يميز هذه الأغنيه تمازج الأدوار في التعبير اللحني بين البيانو المصاحب وصوت المغني؛ ففي بعض المقاطع التي يغني فيها المغني لحناً يتبعه البيانو بنفس اللحن كحوار متبادل.

عند استماعنا للبيت: “أين ذهبت الزهور؟…أين ذهب العشب الأخضر؟ “ نجد أن شوبرت غيّر المفتاح إلى A ميجر ليصبغ مخيلة المستمع بصورة الربيع الايجابيه، ومن ثم عاد المفتاح الماينر الاول C ماينر عند غناءه “ الزهور قد ماتت…والعشب أصبح باهتاً “ وليؤكد على الصوره السلبيه في هذا المقطع كتبه تحديداً C ديميشند الذي يعطي انطباعاً بالحدة والنشوز. وعند وصولنا للمقطع الأخير “ كأنما صار قلبي ميتاً*…وتخللت البرودة صورتها فيه“ نجد صورة تعبيريه بديعه يصور فيها الشاعر ثقل او تجمد القلب حينما يواجه المرء ألماً عاطفياً جسيماً، تلك البروده تسللت الى عمق قلبه وصارت صورتها التي بداخله متجمده، بهذه الحاله سيكون من الصعب أن ينساها إلا حين يدفئ قلبه وتذوب الصوره.

* قام شوبرت بتغيير كلمة بارداً في القصيدة الأصليه إلى كلمة ميتاً.

٥.شجرة الزيزفون:

لشجره الزيزفون مكانة مهمه في الفلكلور الأوربي وبالأخص الألماني، نجدها في الأعمال الأدبيه لچوته، شيلر وبكثير من الأعمال الفنية الرومانتيكيه، والذي ساهم بجعل هذه الأغنيه الأكثر شهره من بين أعمال شوبرت الغنائية، بالإضافه إلى أن ألحانها قريبه في تركيبتها من الألحان الفلكلوريه البسيطه. عند الاستماع لمقدمتها نجد تشابه في تركيبة لحن المقدمه للأغنيه السابقه، ولكن هذه المره ستكون مكتوبة على مفتاح E ميجر الايجابي، يغلب على هذه الأغنيه مشاعر السكون والرضا باستحضار ذكريات محبوبه والإطمئنان بوجود مكان آمن يلتجئ إليه تحت شجرة الزيزفون، ولكن الرحال مع ذلك قرر الرحيل والابتعاد بعد أن هبت عاصفة صوّرها شوبرت بزيادة سرعة العزف وتوتره وبوضع علامة فورتيه ليعزفها العازف بقوه:

Screen Shot 2016-07-02 at 12.43.47 PM

وبعد ذلك يعود المفتاح الأصلي للأغنيه E ميجر بعودة صوت نداء الشجره بالرغم من ابتعاده عن المكان، بدأ الصوت منخفض جدا PPP مصوراً لبُعد صوت المناداه ثم ارتفع تدريجياً:

Screen Shot 2016-07-03 at 10.38.26 AM

٦.مياه الغدير:

ها قد بدأ الترحال ودموعه تتساقط على الثلج، يشعر بالوحده ولا أحد سوى الثلج يتحدث معه ويوصيه حين يأتي الربيع ويذوب أن يتجه بدموعه التي اندمجت فيه إلى بيت الفتاه التي يحبها.

Screen Shot 2016-07-25 at 5.46.20 PM

كتبت هذه الأغنيه على مفتاح F# ماينر، وفي مقدمتها استخدم شوبرت النوتة السابعه الاكثر حده ونشازا (F) لتستقر عليها النوته الخامسه قبلها لتظل معلقة وغير مستقره، واستقرارها يكون بالنوتة F# التي هي النوته الرئيسية الأولى، هكذا أراد شوبرت أن يُذكرنا بجرح الرحال الذي لم يشفى بعد.

٧.عند النهر:

أقتطع الرحال طريقه بجانب النهر الذي وجده متجمداً ولم يعد بإمكانه توديع الرحال بصوت خرير ماءه، صوّر شوبرت النهر المتجمد بكوردات متقطعه وفاتره معزوفة على البيانو مكتوبة على مفتاح E ماينر:

Screen Shot 2016-07-03 at 1.07.25 PM

 حتى غير شوبرت (البارع في قلب المشاعر التي يريد ايصالها للمستمع بتغيير ذكي بين الميجر والماينر)  المفتاح لميجر E عند الغناء: “نقشت على سطحك… بحجر حاد “ ، وعند وصوله للمقطع : “أيا قلبي، ألا ترى صورتك…في ذلك النهر المتجّمد” أعاد نفس المفتاح الماينر ولكنه أحدث تغييراً أخر؛ أصبحت الكوردات الجامده متحركه وهائجه كالماء الجاري:

Screen Shot 2016-07-03 at 1.10.46 PM

٨.نظرة للوراء:

برغم قدميه المرهقتين إلا أنه لا يريد التوقف للحظه حتى يبتعد عن تلك البلدة التي رحل عنها، معبراً عن رغبته في النسيان عاجلاً، من الاستماع لمقدمة البيانو المكتوبه على مفتاح G ماينر نستطيع أن نشعر باندفاع الرحال واجبار نفسه على الاستعجال بالمشي برغم الصعوبات، وعندما يبدأ الغناء يصبح البيانو مردداً لصدى الكلمات الأخيره التي غُنيت، وحين يهدأ بغناء الكلمات : “كم كان مختلفاً ترحيبك بي…أيتها البلدة المتقلبه !” يتحول المفتاح إلى G ميجر مصوراً الذكريات الجميله التي كانت.

٩.أطياف الليل:

قد غربت الشمس وحل الليل و مازال الرحال يتابع رحلته بهدوء، عجيب كيف صوّر شوبرت التعب والانهاك الذي أصاب الرحال في أول النوتات التي عزفها البيانو :

Screen Shot 2016-07-03 at 3.42.51 PM

في المازوره الأولى والثانيه نوتتان مميزتان من المرجح أن شوبرت كان يقصد بهما نَفس الرحال المتعب وتخبطه في الطريق، يغلب على الأغنية المكتوبه على B ماينر جو من الغموض والفنتازيا، وقفات الصمت العديده التي تصوّر توقف الرحال متعباً وتتبعه للأطياف المضيئه حوله في ظلمة الليل، من كلمات القصيده نستطيع أن نشعر بتصالحه مع ألمه في غناءه : “ فكل نهرٍ سيجد بحره…وكل حزنٍ سيجد قبره”

١٠. ارتياح:

Screen Shot 2016-07-03 at 4.48.05 PM

مقدمة هذه الأغنيه تجسد النضال للاستمرار، الرحال متعب جدا ولايستطيع أن يقف والا فسيتجمد في العاصفه الثلجيه، مثّل شوبرت الخطوات المتعبه بسلسلة من الكوردات: بعد ابتداءه بالمفتاح الذي كتبت فيه الأغنيه D ماينر، ثم كورد D اوچمنتد السابع الذي أعطى شعوراً بالتقدم أو التمدد، ثم يليله الكورد الرابع في السلّم G ميجر الذي قلّص شعور التمدد، ثم G ماينر، D ميجر، D ماينر و أخيراً ختم هذا التسلسل بالكورد الخامس A واختار شوبرت أن يكون ميجر بدلاً من ماينر، الأغنيه بشكل عام تتبدل بين علو الصوت (الفورتيه) وانخفاضه (بيانيسمو) وجعل شوبرت المفتاح ثابتاً على D ماينر برغم استخدامه لعدد من النوتات الخارجه عن هذا المفتاح.

١١. حلم الربيع:

تبدأ هذه الأغنية بمقدمة مبهجه يليها تبادل بين شخصيتين متناقضتين، يُبدل شوبرت بينهما بشكل مفاجئ ليصور التناقضات بين الحلم والواقع.

خلق المقدمة المرحه كالتالي: كتبها على مفتاح A ميجر ووصف السرعة ب “etwas bewegt” أي مُتحرك قليلاً وخفض صوت العزف ليكون بيانيسمو، وكتب لها ريثماً راقصاً 8/6، وجعل بعض النوتات مكتوبة بتكنيك ستكاتو (ضربات منفصله وسريعه)، وأيضاً القفزه المفاجئه باللحن من E إلى نوتة C# السادسه التي تليها، والزخرفة الراقصه للحن، بالإضافة إلى الابجيتورا (appoggiatura) في المازوره الثالثه التي تعطي شعوراً بالشد ثم الرخي، والتي تكتب عادة برفع نوتة من نوتات الكورد درجة واحده لتكون ناشزه ثم بعد الكورد تُعزف النوته الصحيحه؛ مثلا: في المازورة الثالثه كُتب كورد F# ماينر الذي تكونه النوتات ( F#,A, C#) وبكتابة ابجيتورا للكورد يصبح (F#, B,C#) رفعت A بدرجة إلى B فيصبح الكورد ناشزاً (الشد) حتى يُحل النشوز بكتابة A بعده مباشرة (الرخي):

Screen Shot 2016-07-03 at 5.49.12 PM

.

الشخصية الأولى: سوداويه، مفزعه بالصراخ وباردة كالشتاء، كتبها شوبرت على المفتاح الخامس E ولكنه جعله ماينر بدلاً من ميجر، وصف السرعة ب “schnell” أي سريع، رفع صوت العزف ليكون فورتيه، وكوّن اللحن من نوتتين جامدتين، نوتة النوار وتليها نوته اقصر الكروش، وهكذا تتكرر كالضرب والرفع المستمر:

Screen Shot 2016-07-03 at 6.08.20 PM

.

 الشخصية الثانية: مرحه، مشرقة وسعيدة بالربيع، كتبها شوبرت على المفتاح الأول A ميجر، ووصف السرعة ب “langsam” أي بطيئ، وبصوت عزف منخفض (بيانيسمو) يعزف اللحن المكوّن من نوتات كروش قصيره تتنازل برويه:

Screen Shot 2016-07-04 at 5.49.47 PM

وعند الخاتمة التي من المفترض أن تكون مكتوبة بنفس المفتاح الذي ابتدأت به (A ميجر)، شوبرت كتبها A ماينر وذلك للإجابة سلبياً على تساؤل الرحال : “ متى ستَخضرُ تلك الأغصان المرسومه؟…متى سأحمل حبيبتي بين يدي؟ “ وكأن استحالة نضوج الأغصان المرسومة هو كإستحالة إلتقاءه بحبيبته.

١٢. وحده :

لا أحد هنا لتشعر بحزنه، لا أحد هنا لتفهم فرحه، الناس يتخيلون أنهم يستطيعون التعمق في الآخرين، ولكن الحقيقه انهم يعبرون بسطحيه واحد تلو الآخر. تعيس الذي يعي ذلك!

* من رسائل شوبرت في مارش ٢٤، ١٨٢٤م

الأغنية كتبت على D ماينر ليختم شوبرت النصف الأول من العمل معتقداً أنه مكوّن من ١٢ قصيده فقط ولكنه اكتشف لاحقاً انه مولر نشر لاحقاً ١٢ عشر قصيده أخرى لاحقاً لتُكمل ٢٤ قصيده. مع اكتشاف مايكتبه شوبرت في مقدمات أغنياته، أجد قدرته العجيبه في خلق أي نوع من المشاعر في مازورات معدوده (٤ إلى ٦) وفيها يجعل المستمع يعيش تجربة حقيقه لتلك المشاعر. تلك هي العبقرية. في هذه الأغنية صوّر شوبرت وحدة الرحال وثقل خطواته بجعل الريثم ٢/٤ وبنوتتين متكررتين معزوفتان بتكنيك الستكاتو حتى يمثل خطوتي الرحال، الخطوة الأولى وتليها الخطوة الثانية بتثاقل، استخدم بكثره نوتات السكون ليطغى الصمت الوحدوي عليها:

Screen Shot 2016-07-05 at 9.06.17 AM

في المقطع الأخير نجد تناقضات بين معنى الكلمات المغناه ولحن البيانو خلفها، فعند غناءه : “ آه، إن الهواء ساكن جداً !…آه، والعالم مشرقٌ جداً !” كتب شوبرت للبيانو لحناً لايمت بالسكون والشروق شيئاً، فالبيانو يهيج كرعد خاطف في ظلمة الغيم واهتياج الرياح خلق ذلك بتكنيك التريميلو مكتوباً على كورد F ديمينشند السابع و معزوفاً بصوت عالٍ فورتيه يرتفع تدريجياً بالكريشيندو:

Screen Shot 2016-07-05 at 9.31.31 AM

وانتهت هذه الأغنيه بنصف خاتمه غير مكتمله (Imperfect Cadence) بكورد خامس مُعلق وغير مُسوى.

١٣. ساعي البريد:

لم يتردد شوبرت في إكمال قصائد رحلة الشتاء ١٢ المتبقيه ليكمل بذلك العمل ويصبح ٢٤ قصيدة. هكذا يمكننا أن نفهم اللحن السعيد الذي بدأ به شوبرت أغنية ساعي البريد لتمثل النية لفتح صفحة جديده مشرقه للنصف الباقي من الرحلة، الأغنية مكتوبة على مفتاح E♭. ميجر ونستطيع أن نستمع لصوت بوق ساعي البريد من أول المازورات :

Screen Shot 2016-07-05 at 12.07.54 PM

١٤. الرأس الأشيب:

Screen Shot 2016-07-05 at 2.21.01 PM

لمقدمة هذه الأغنيه صوتٌ مختلف، ففيها ملامح من الفاجعه واليأس المُطبق، الأغنيه كُتبت بمفتاح C ماينر ولكن اللحن والهارموني التابع له يأخذنا في متاهه معقدة من المشاعر، لحن البيانو يبدأ وينتهي عند نوتة C التي تتوسط البيانو ويصعد بقفزات متواليه وتغيير مبهم للهارموني من C ماينر، Gميجر، Dماينر بثبات نوتة C المنخفضه في كل كورد حتى عاد للمفتاح الأصلي وختم اللحن. ولكن القفزه الأكبر في اللحن والتي أعطت تأثير الحدة الشاعريه كانت في المازورة الثالثة؛عندما انتقل من نوتة D إلى ♭A أعلاها باستخدام مسافة الاوجمنتد الرابع (Augmented fourth ) والذي يعتبر أحد أنواع النغمة الثلاثيه (tritone) التي لها معنى شيطاني مرتبط بالعوالم السفلى قديما في موسيقى العصور الوسطى . الأغنيه مليئه بالنوتات المتنازله للأسفل التي تعبر بشكل واضح عن اليأس، حتى وصل إلى أخفض نوته عند غناءه : “فكم سيطول بُعدي عن القبر!”

ويختم شوبرت كلمات الأغنيه بختمه متكامله، ولكن البيانو بعد ذلك عزف لحنه وختمه بنوع آخر من الخاتمات يستخدم عند غناء المنمنمات الدينيه في موسيقى العصور الوسطى عند غناء : “آمين” وذلك باستخدام الكورد الرابع ثم يليه الكورد الأول في السلم.

١٥. الغراب:

Screen Shot 2016-07-08 at 8.26.33 AM

ذِكر الموت والغراب يجعل من هذه الأغنيه صورة سوداوية، نجدها مكتوبة على مفتاح C ماينر ويبدأ اللحن بنوتة C العاليه ممايعطي انطباعاً ب “ شيء ما يحوم فوق رأسي”  ولكن النوتات الدخيلة على السلم تجعلنا نشعر بجو من الشك والريبه وربما الخوف، الأغنية مليئه بألوان من التحويلات النغميه وهي ليست ثابته على مفتاح C ماينر. عندما تصل الأغنية لنقطة الذوره في كلمة القبر (Grabe) والتي كتبت أولى حروفها بالكورد الخامس من سلم C والذي من المفترض تسويته بكورد C ماينر إلا أن شوبرت اختار أن يسويه بأكثر كورد ناشز عن C وهو الكورد السابع ♭B بالاضافه إلى انه مكتوب بشكل الديمنشد.

١٦. الأمل الأخير:

و كان بالإمكان وصف موسيقى شوبرت بميزة واحده، فستكون: قدرته المبهره على صنع مشهد متكامل بكل تفاصيله من الموسيقى فقط. هذه الأغنيه هي أحد الأمثله، تبدأ بانتقالات متفرقه للنوتات، والمفتاح الذي كُتبت عليه ليس واضحاً بعد وذلك يصوّر انتقال نظرات الرحال وتحركها من شجره لشجره وعند ثباتها على غصن واحد ثبت بذلك الاتجاه الهارموني وأصبح مفتاح ♭E ظاهراً. عند غناءه : “ارتعبت، وأرتجفت ماأمكنني“ يمكننا الاستماع إلى توتره ورعبه من سقوط الغصن وذلك باستخدام شوبرت لتكنيك التريميلو ممثلاً بذلك الرجفه، واستخدم كذلك النوتات المنخفضه المتنازله لتمثيل مشهد سقوط الغصن والرحال كلاهما على الأرض:

Screen Shot 2016-07-08 at 10.26.56 AM

وختم شوبرت هذه الأغنيه بنحيبٍ مؤثر للرحال على سقوط آخر آماله.

١٧. في القرية:

Screen Shot 2016-07-08 at 10.45.31 AM

هل لاحظتم صوت شخير أهل القرية النيام في مقدمة البيانو؟ نعم حتى الشخير يمكن لشوبرت أن يصوّره. هذه الأغنيه كُتبت على مفتاح D ميجر السعيد أخيراً، وفيها نبرة خطاب وتنظير؛ فالرحال قد وصل ليلاً لقرية وجد أهلها يغطون بنوم عميق مستمتعين بأحلامهم السعيده، الرحال هنا أصبح ينبذ الأحلام الغير واقعيه والتي لاتزيده سوى بخيبات الأمل. عند المقطع الثاني من القصيده:” جيد إذاً، قد أخذتم نصيبكم من المتعة.. والأمل الذي تفتقدونه…ستجدونه لاحقاً على وسائدكم” يعزز شوبرت أسلوب المخاطبه بتكرار مستمر لنوتة واحده وكأنه يشير بإصبعه إلى أهل القرية.

١٨. صباح عاصف:

Screen Shot 2016-07-08 at 12.04.08 PM

يبدو أن الرحال لم يتصالح بعد مع آلامه، فالحزن البائس قد تحوّل الآن إلى نبرة غضب ثائره في هذه الأغنيه المكتوبة بمفتاح D ماينر بالرغم من أن كلماتها تصف صباحاً هادئاً وجميلاً، سرعة العزف المكتوبة “ziemlich geschwind, doch kräftig” أي: سريع إلى حد ما، وبقوه. بالإضافة إلى علو الصوت المفاجئ في العزف (سفورتساندو sfz) وكتابة بعض النوتات بتكنيك الستكاتو، كل ذلك يوحي بتحول شخصية الرحال.

١٩. الأوهام:

كُتبت الأغنية على مفتاح E ميجر ويسودها جو من المرح والخِفه، فصديقنا الرحال مستمر في رحلته ويتوهم أضواء في الظلمة تبني له بيتاً دافئاً يسكنه أحبابه.

٢٠. لافتة الطريق:

الأغنيه تبدأ بريثم متحرك يوحي بخطواتٍ متثاقله، صديقنا الرحال أصبح يبحث باللافتات التي على جانبي الطريق بعدما كان لايعبأ إن تاه عن طريقه في الأغنية التاسعه “أطياف الليل”، فقد نسي السبب من وراء الرحله ولم يعد يعبأ سوى بيأسه من انتهاءها، يلعب البيانو دوراً رئيسياً في الصوره الفنيه لهذه الأغنيه المكتوبه على مفتاح G ماينر، فمثلا: قبل غناءه المقطع :” لافتاتُ الطريق منتصبه في الطرقات…لافتات تقود لبلدات كثيره” استخدم شوبرت التكرار الرباعي لنوته معينه وغيّر تحتها الهارموني التابع لها بكوردات مختلفه ومتباينه ليُصور إختلاف وجهات اللافتات المؤديه كل منها إلى بلدة ما؛ بدّل من B ميجر(لافتة اتجاه اليمين) إلى B ماينر (لافتة اتجاه اليسار) وهكذا حتى استقر على الدومننت (D ميجر):

Screen Shot 2016-07-11 at 2.30.03 AM

وفي المقطع الأخير من القصيده “لافتة واحده أراها هناك…مثبتة قبل مجيئي،، طريق واحد عليّ أن أسلكه…الطريق الذي لارجعة منه”

أبدع شوبرت في تصوير أختيار الرحال لافتة واحده من بين اللافتات المختلفه واقترابه منها ليقرأ ماكُتب فيها، فعل ذلك بتكرار واضح لنوتة G تحديداً والتي تمثل النوته الرئيسيه لهذه الأغنيه ولكن على جانبي هذه النوته تتقارب النوتات المتباعده مسافة مسافة في الأبعاد الموسيقيه (semitone) كإقتراب الرحال من اللافته، حتى وصلت الأغنيه نقطة الذوره عند غناءه بالوجهه الأخيره التي على الرحال اتخاذها؛ وجهة الموت

Screen Shot 2016-07-11 at 12.06.50 AM

وهكذا اختتمت آخر ثلاث مازورات في الأغنيه بكورد واحد: ال G الخيار الوحيد الذي لابديل عنه.

٢١. النّزُل:

Screen Shot 2016-07-29 at 7.38.30 PM

عند الاستماع لمقدمة الأغنية المكتوبة بمفتاح F ميجر، نشعر وكأن نهاية الرحله قد أتت وأن الختام قد اقترب. ذلك الشعور الذي عززه شوبرت بكتابة نهاية لحن المقدمه بالكورد الخامس C ميجر الذي يستقر عليه المفتاح هارمونياً استقراراً تاماً، وهذا الاستقرار والصمت الطاغي على الأغنيه يُقربنا أكثر من فكرة الموت. ولكن التناقض بين صوت المغني بكلمات القصيده المشبعة باليأس، وبين الموسيقى المكتوبه بالمفتاح الميجر الايجابي يجعل من هذه الأغنيه طابعاً خاصاً ومُحيراً. من المؤكد أنها ليست النهاية بعد فالرحال قد أكمل رحلته ولم يتوقف.

٢٢. شجاعة:

شجاعه؟ كيف من الممكن أن نتوقع طاقة ايجابيه كهذه بعد كل ذلك اليأس، أهي المكابره :” لايمكنني سماع حديث قلبي…فليس لي آذان تسمع “ أم هي الشعله الأخيره المتبقيه قبل الانتهاء. الأغنيه قصيره وسريعه وتتبدل من A ماينر إلى A ميجر ويغلب عليها علو الصوت وثقة النفس الكبيره.

٢٣. شموس مزيفه:

يشاهد صديقنا الرحال الظاهرة الطبيعيه للشموس الكاذبه التي تظهر في أول الصباح، حيث تنعكس أشعة الشمس على بلورات الثلج لتكوّن وهماً شمسين على جانبي الشمس الحقيقه. شيئاً فشيئاً أصبحت الواقعيه هي المسيطره على فِكر الرحال وأصبح ينبذ الوهم والخيال الذي كان موجوداً في بداية رحلته،كما في القصيده:” آه، إنكم لستم بشمسي…فابتعدوا، وحدقوا بشخص آخر غيري!” شخص آخر لديه الوقت الكافي ليحيا ويستمتع بالأوهام كما كان هو يفعل في بداية رحلته، ولكن الآن فحقيقة واحده هي نُصب عينيه؛ الموت المريح: “ولو أن الثالثة أيضاً تسقط…فسأكون بحال أفضل في الظلام”. غُنيَ هذا البيت بعد صمت وجيز تعود فيه الأغنيه إلى المفتاح الأول المكتوبة عليه؛ A ميجر بعدما تحول إلى A ماينر عندما أنكر الشموس الكاذبه في المقطع الثاني.

٢٤. عازف الأورغن:

إنها الأغنية الأخيره من أغاني رحلة الشتاء، والمشهد الأخير الذي نعيش فيه مع الرحال أحداث رحلته..the-bl10

في مقدمة الأغنيه نستمع إلى لحن ريثمه غير متناسق، يوحي بالعزف المتقطع والناشز نغمياً لألة الأورغن اليدوية، الآلة بدائية الصنع وفيها أوتار ومفاتيح تُعزف بإدارة مقبض في طرفها، اشتهرت كثيراً في القرون السابقه في أوربا الوسطى، يعزف عليها الفقراء أغانٍ فلكلوريه ليجنوا المال منها. صوّر شوبرت دوران المقبض (باللحن السريع في المازوره الثالثه) وتوقف اللحن تدريجياً لانقطاعه ومن ثم استئنافه العزف من جديد بإعادة الدوران، واختار أن يملأ اللحن بنغمات نشازه تشابه صوت الأورغن اليدوي :

Screen Shot 2016-07-15 at 3.25.05 PM

كآخر أغنيه في رحلة الشتاء، كنت أتوقع أجد الرحال يلفظ أنفاسه الأخيره وحيداً، أو أن تختفي شخصية الرحال ويبقى البيانو يرثي له. ولكن في هذه الأغنيه المكتوبه على مفتاح B ماينر (ذلك المفتاح الذي لاعلاقة له ب D ماينر الذي ابتدأت به أول أغنية) نطق الرحال لأول مرة وتحدث مع عازف الأورغن العجوز ليسأله أن يأخذه معه ليعزف أغنياته، يأخذه إلى أين ؟ ماهو المكان الذي يصبح فيه الأورغن اليدوي البشع صوتاً ونغماً، جميلاً ليعزف أغنياته؟ إنها دلالة على عالم سماوي يذهب إليه الأموات.

Reference:

 

 

 

سوناتا الهَمركلاڤير لِبيتهوڤن

وسوم

,

bg-lvb-schimon1818

ربما تكون الحقيقة الأولى الصادمة عن سوناتا البيانو رقم 29 وغيرها من الأعمال العبقرية التي كُتبت في الفترة الاخيره من حياة بيتهوڤن كالسمفونية التاسعة و رباعية الوتريات رقم 14، أن بيتهوڤن نفسه لم يكن يستطيع ان يسمع تلك الأعمال بسبب صممه التام، لقد كانت وسيلته الوحيدة للتواصل مع الناس هي الكتابة على ‘ دفتر المحادثات’ الذي مازال مرجعاً مهماً للباحثين عن حياته.

إنه لمن العجيب حقاً; فكلما ازداد فقدانه لحاسة السمع ازداد ابداعه لأعمال موسيقية مُتقنه وعبقرية يَعجز أفضل الموسيقيين تعليماً و أكثرهم رهافة للسمع أن يكتب عملاً قريبا من تلك الأعمال و التي تحمل في كل واحدة منها أفكاراً موسيقية مبتكره ومختلفه.

أرى حرمانه من أعز مايملك في اللوحات التي تصور ملامح وجهه المتجهمه وفي موسيقاه التي لاتخلو من نبرة الغضب والكثير من علامات الفورتيه ƒ والفورتيسمو ƒƒ و في المواقف التي اشتُهرت عنه، كصراخه أمام الجمهور المندهش من مهارته في الارتجال  ب “ أنتم أغبياء ! أغبياء ! أغبياء، جميعكم أغبياء !!”

بيتهوڤن و چوته في تيبلتز 1812

بيتهوڤن و چوته في تيبلتز 1812

بيتهوڤن يريدنا أن ننصت الى موسيقاه، أن يتركز جُل اهتمام المستمع لها، لم يرغب يوماً بإرضاء أذواق المستمعين بل رغب احترام الناس وتقديرهم لما يسمعوه منه. لهذا لم يكن متحذلقا للناس، عاش وحيدا ولم تنجح أي من محاولاته العاطفيه. و بعد موت أخيه تعلق بشكل مهووس بابن ذلك الأخ كارل. لدرجه حاول الابن الانتحار بعد حرمانه من امه و سوء المعامله التي تلقاها منه.

بالطبع لم يستطع بيتهوڤن تقبّل حقيقة فقدانه السمع وعندما ازدادت صحته سوءاً و فشلت كل محاولاته في العلاج، نوى الانتحار و انهاء مهزلة الحياه. ولكنه وجد في نفسه الكثير والكثير ليُقال من خلال الموسيقى حتى و إن لم يكن يسمع من اذنه الخارجيه فإنه يستطيع السماع من قلبه و خياله الخصب الذي غالباً مايُنتج مايُمكن إحياءه على الواقع من خلال كتابة الموسيقى، كتابتها فقط.

كان ذلك في عام 1802 عندما كتب وصية هَايلِيچنْشتدت ( نسبة الى القريه التي سكن فيها عند كتابته للوصية) و ظلت مخبأه 25 سنه طيلة حياته..

 لأخوَيْ، كارل و يوهان بيتهوڤن

يا من تظنون أو تقولون أنني حقود، عنيد و كارهٌ لكم. كيف أخطأتم في حقي على هذا النحو الجسيم. إنكم لا تعرفون السر الذي جعلني أبدو هكذا. منذ الطفولة وقلبي وعقلي مملوآن بمشاعر المودة الفياضة. كنت طموحا لإنجاز أعمال عظيمة، ولكن بالمقابل، أصبحت منذ ست سنوات، حالةً ميؤساً منها، تتردى تحت أعين أطباء منزوعي الشعور، اُخدع سنة بعد سنة بأمل التحسن. ولكنني أخيرا واجهت مُجبراً حقيقة مَرضي الدائم (الذي يتطلب علاجه سنوات طويلة، إن لم يكن علاجه مستحيلا أصلا). وُلدت بطبعٍ انفعالي وحيوي، و كنت معرضاً لمخالطة مجتمعات عدة، ولكني سريعا ما أُجبرت على عزل نفسي، للعيش في الوحدة. وأحياناً عندما أحاول تجاهل كل ذلك، أُصدم بقسوة وبحزن شديدين بسبب حالة سمعي السيئة. و أيضا كان من المستحيل علي أن أطلب من الناس أن يتحدثوا بصوت أعلى، أن أصرخ “ أنا أصم” . كيف من الممكن أن أُقر بمرض كهذا؟ بالحاسة الوحيدة التي يجب أن تكون مثالية عندي أكثر من أي شخص آخر. الحاسة التي عندما امتكلتها كانت بأعلى كمالٍ فيها. كمال كالذي يتمتع أو تمتع به القليل ممن يعملون مهنتي. إنني لا أستطيع فعل ذلك، لذا سامحوني إذا رأيتموني أتراجع وأنا أتمنى بكل سرور أن أنضم لكم. مصيبتي شديدة الألم لأنها حتما ستجعلني عسيرا على الفهم. بالنسبة لي، لا يوجد هناك تسليات في مجتمع زملائي، لا علاقة ثقافيه، ولا تبادل مشترك للأفكار، والقله القليله من أفضلهم يتطلب التهيئه للحوار. رغم أنني احيانا أمضي عكس ذلك، خاضعاً لهواي تجاه المجتمع. ولكن كم هو مُخزٍ أن يقف شخص بجانبي و يسمع صوت فلوت من بعيد و أنا لا أسمع شيئاً، أو شخصاً آخر يسمع راعياً يُغني و مرة أخرى لا أسمع شيئاً. هذه الحوادث وضعتني على شفير اليأس، ولو تمكن اليأس مني أكثر من ذلك بقليل، لَكُنت وضعت حداً لحياتي. الفن وحده منعني عن ذلك. يبدو أنه من المستحيل علي ترك هذا العالم حتى أُنتج كل الذي شعرت أنه ينادي علي لأوجده. لذلك أنا أتحمّل هذا الوجود البائس، بائسٌ حقاً. يالهذا الجسد الحساس، إن أدنى تغير مفاجئ فيه قادر على أن يرميه من أحسن حال لأسوئها. إنني مريض الآن، وقد قيل لي أنه علي اختيار قائدي. وقد فعلت ذلك. آمل أن يظلّ عزمي ثابتاً لأصمد حتى أُرضي الآلهة فيقطعون الخيط. ربما سأتحسن، وربما لا، أنا جاهز لكل الاحتمالات. أُجبرت سابقا وأنا بعمر الثمانية والعشرين سنة على أن أصبح فيلسوفاً ، وهو أمرٌ غير يسير، و غير يسير على الفنان أكثر من أي إنسان آخر. إلهي، أنت الوحيد الأقرب لأعماق روحي، أنت الأعلم بها، أنت الأعلم بذلك الحب و تلك الرغبه لفعل الخير فيّ. أيها الناس، في اليوم الذي تقرؤون فيه هذه الكلمات، فكّروا بأنكم كنتم مخطئين بحقي و الآسف منكم فَليُرح نفسه ويجد إنسانا يشبهه، إنسانا تجاوز كل عوائق الطبيعة وفعل كل مافي وسعه ليُقبَل بين الفنانين والرجال الفاضلين. إخوتي كارل و يوهان، حالما أموت، وإذا كان د.شمِدت مازال حياً، اسألوه بإسمي ليصف لكم مرضي، وارفقوا تاريخ مرضي مع هذه الوثيقه حتى يتسنى للعالم بقدر المستطاع أن يتصالح معي بعد موتي. بنفس الوقت إنني أُأكد لكما أنكم ستكونون ورثاء ثروتي الصغيره (إذا كان من الممكن تسميتها بذلك). قسموها بعدل، تحملوا مساعدة بعضكم. الجروح التي سببتموها لي تعرفون أنها مغفوره منذ زمن طويل. لك يا أخي كارل شكرا خاصا للتعلق الذي أبديته لي في الفترة الأخيرة. آمالي لك بأن تكون حياتك أفضل، متمتعا بتمام الصحة التي لن تحتاج معها لمن يرعاك. أنصحك بالفضيله لأبنائك، هي وحدها التي تعطي السعادة، ليس المال، أنا أتحدث من واقع تجربة. إن الفضيله هي وحدها من أيدتني في مأساتي، هي وبجانبها فني الذي أدين له بكوني لم أُنهِ حياتي بالانتحار. الوداع و أحبوا بعضكم. إنني أشكر كل أصدقائي، خصوصاً الأمير ليكنوفسكي والبروفوسور شمِدت. أرغب أن تكون الآلات التي من الأمير L. محفوظة عند أحد منكم، و لكن لاتدعوا نزاعاً يحدث بسبب هذا الأمر. وعندما تجدون أن بيعها سينفعكم أكثر، بيعوها. كم سأكون سعيداً عندما أتمكن من خدمتكم وأنا في قبري، إنني بفرحٍ أسارع للموت. وإذا أتى قبل أن أُمنح الفرصه لأعرض كل قدراتي الفنية، فسيكون قد أتى باكراً بالرغم من قدَري الصعب، وسأتمنى على الأرجح ان يأتي لاحقاً. و لكن برغم ذلك أنا راضٍ، ألن يحررني الموت من حالة العذاب اللامنتهي؟ تَعالَ متى أرادت مشيئته، سألتقيك بشجاعه. الوداع و لاتنسوني عندما أموت. إنني أستحق ذلك منكم،  فكثيرا ما كنت أفكر كيف أجعلكم سعداء. كونوا كذلك.

هَايلِيچنْشتدت

السادس من اكتوبر 1802  لودفيچ ڤان بيتهوڤن

لأخوتي كارل و يوهان

تُقرأ و تُنفذ بعد موتي.

وجدت هذه الوصية بعد أيام من موته مخبأه مع رسائل أخرى،، فقدان السمع صعب جدا على الانسان العادي الذي لايرغب سوى بسماع صوت من يحب و صوت الطبيعه حوله، ولكن في حالة بيتهوڤن، في حالة المؤلف الموسيقي الذي تتركز حياته و سببه الأول في وجوده بهذه الحياه على الموسيقى التي لايتكوّن وجودها الا عند الاستماع.

كتب بيتهوڤن السوناتا رقم 29 عام 1818، وسمّاها ب هَمركلاڤير (الاسم الألماني لآلة البيانو). اختيار هذا الأسم لم يكن مصادفه فقد تلقى هدية ثمينه من لندن ; بيانو من الصانع برودوود يحوي ستة أوكتڤات! هذا المدى الصوتي الواسع الذي يحوي 73 مفتاحا لم يُسمع من قبل في زمن بيتهوڤن، (البيانو الحالي يحوي الآن سبعة أوكتڤات وثلث اي 88 مفتاحا) بالرغم من ان بيتهوڤن لم يسمع فعلياً صوت البيانو الا انه استخدم و بجداره المدى الأوسع الذي اُبتكر، مثلا عند استخدامه للكوردات التي لاتقل عن 4 او 5 نوتات في الهارموني المصاحب لِ اللحن والتي تُعطي ضخامة في الصوت ومساحة اكبر للاستماع، ايضا هناك السلالم التي تمتد من اول البيانو لآخره، و تركيزه على النوتات العاليه جدا و المنخفضه جدا في مقاطع عديده، عوضاً عن ذلك جعل من هذه السوناتا سمفونية و بأبعاد اوركستراليه، بالطبع فآلة البيانو تختزل بمداها الصوتي الكامل جميع آلات الاوركسترا.. بيتهوڤن كتب مرة لأحد ناشريه عن الهمركلاڤير:

السوناتا ستمنح عازفي البيانو بعض العقبات، والتي سيعزفونها خمسين سنة تاليه.

بيانو البرودوود الذي أُهدي لبيتهوڤن

بيانو البرودوود الذي أُهدي لبيتهوڤن

كان يعرف انه قد كتب عملاً مهيباً بهذا الحجم. فالسوناتا تتطلب لعزفها تكنيك عالي لدى العازف وقوه تركيز ودقه. انها القطعه الوحيده التي حرص بيتهوفن على ان يكتب عليها علامات سرعة العزف (tempo) مضبوطة برقم دقيق، وعوضا عن ضخامتها فهي صارمه و معقده، كُتبت لتُعبر ليس عن الجمال فقط، بل عن أعمق النزاعات الداخليه للنفس الانسانيه، عن مشاعر مختلطه تعجز عن تحديد ماهيتها، هكذا هو بيتهوڤن، لا نستطيع بكل بساطه ان نصف أصغر أعماله بمعنى واحد واضح، مثلا في الحركة الاولى من سوناتا ضوء القمر المشهوره لايمكن ان تُوصف بأنها تأمليه فقط او حزينه او رومانسيه فقط.

بيتهوفن عندما كتب هذه السوناتا كان مهووسا بفكرة واحده؛ المسافات الثالثه. كوَنت هذه الفكره أغلب الالحان و انصاف الالحان و الهارموني المصاحب في كل الحركات الاربع، أشبع السوناتا تماما بها.

الموسيقى، أي نوع من الموسيقى، تستند إلى نظام نغمي مألوف و فطري لدى الأذن البشريه، اعني بالنظام هو المسافات المحدده مسبقا بين النوتات السبعه، لكل نوع من السلالم مثلا سلم الميجور او سلم المينور هناك نظام للمسافات التي تفصل بين نغمة و أخرى، أحد أهم قواعد هذا النظام هو العلاقه بين النوتة الأولى والنوتة الخامسة من السلم نفسه. عندما تبدأ اي قطعه موسيقيه فإنها تبدأ من ذلك المفتاح الأول (Tonic)، لتُحدد السلم للمُستمع (مثلا: قطعه مكتوبة على سلم G ميجور، فإن أول نغمه أو أول كورد يجب أن تكون على نغمة G ميجور) ثم بعد خروجها من المفتاح الأول (البيت الذي وُلدت فيه) تبدأ الموسيقى في رحلة بحث عن مكان تلتجأ إليه، عن درجة صوتيه تستقر فيها؛ المفتاح الخامس أو مايسمى بالدومننت (Dominant). لتعود وتختم رحلتها بعودتها للبيت (المفتاح الأول).

هذا النظام الفطري للموسيقى عُبث به في أوائل القرن العشرين واختَرع الموسيقي شونبرغ ما يسمى بالموسيقى الغير نغمية (Twelve-tone technique) و التي لاتستند حسب معرفتي لأي نظام يربط النغمات ببعضها. فوضى من الأصوات الغريبه لاتسلك طريقاً واضحاً ليصل بنا إلى هدف نهائي.

هناك تسميه أخرى للنظام النغمي المعروف تحدث عنها الاستاذ والبيانِست “ Jonathan Biss”  يقول ان النغمة الأولى من السلم تُعبّر عن الزمن الحاضر، والخامسة تُعبّر عن رؤيتنا للمستقبل، والنغمة الرابعة (Subdominant) تعود بنا الى ماحدث في الماضي، والثالثة تعطي شعوراً بلانهائية الكون .

في هذه السوناتا بيتهوڤن لم يُوظف المفتاح الخامس بشكل كافي و تجاهل قاعدة أساسيه في الموسيقى، و بدلاً من الخامس وظّف بشكل أساسي المفتاح الثالث، ربما ليغرّق القطعه بالشعور باللانهائيه و يأخذنا برحلة معدومة الحدود، لانعرف بدايتها من نهايتها.  ينطبق ذلك الشعور كثيرا على الحركة الثالثه (الأداچيو) من سوناتا الهمركلاڤير، الحركة الأطول في السوناتا بكاملها. والتي وصفها عازف البيانو كيمبف بالتالي :

“ … لم تُكتب من قبل أداچيو بهذه الضخامه و بهذا التطلع، في هذه الأداچيو بيتهوڤن يستعرض أعمق أبعاد روح الانسان، والذي لم يكن باستطاعته الوصول لها لولا مساعدة وحي إلهي ..”

تجدون هنا الأداجيو معزوفةً من ألفريد بريندل، و كذلك المقاطع المقتبسه القادمه هي من نفس التسجيل :

تُفتتح هذه الحركه بكوردات عميقه يتخللها اللحن الرئيسي الأول معزوفاً على مفتاح F#، اللحن يُغرقنا بالشعور بوحدة جاثمه وحزن ثقيل، و يُحيطنا بمكانٍ مُوحش، بارد و مظلم..

hammerklavier mov3 theme 1

وفي وسط هذه الظروف يظهر اللحن الثاني كخيط من أمل سماويٍ مشرق، ومكتوبا على مفتاح G ميجور

hammerklavier mov3 theme 2

فتُثار محاورات بين اللحنين تنتهي بنقلة transition يصبح اللحن فيها مشرقا ومُنسابا بعفويه و الريثم سهل الملاحظه، ليبدأ بعدها باستعراض ألحان فرعيه صغيره اغلبها يعتمد تركيبها على المسافه الثالثه، حتى يصل لتطوير سريع لتلك الالحان الذي لم يزد على صفحة واحده، ثم في جزء اعادة تلك الألحان (والذي من المفترض ان تكون الألحان فيه كما كُتبت أول مره) قام بيتهوفن بإعادة اللحن الرئيسي الأول بشكل عجيب كما لو انه أُولّف من جديد ليمثل هذا الجزء لحظه الذروه (Climax) في حركة الاداچيو بكاملها.

و بعد ان اختتمت هذه الأداچيو الاستثنائيه بخاتمه هادئه لاتكاد تلاحظ ابتدأت الحركة الرابعه و كأنها إفاقة من حلم عميق بنوتة F معزوفة على كل الدرجات الممكنه من اخفضها الى اعلاها ثم تعزف كوردات عديدة تبدو وكأنها محاولة ايجاد المفتاح الصحيح

F ؟ لا

 C# ؟ ايضا لا

A# ؟ ربما

F# ؟ جيد،  ثم ينساب لحن سريع على هذا المفتاح ليقف فجأه و كأن المفتاح الذي اختاره لم يكن مناسبا فيعود لاختياراته

D# ؟ لا

B Maj ؟ نعم !

و هكذا يستمر بالتبديل بين المفاتيح حتى يصل الى المفتاح الأصلي لهذه السوناتا B♭major عندها يعزف اللحن الرئيسي للفيوچ، ذلك اللحن الذي لايضاهي اي لحن فيوچي آخر، صعب للغايه و طويل بحيث يصل الى أحد عشرة مازوره، كروماتيكي (لايستند الى مفتاح معين)، و عوضا عن ذلك يبدأ هذا اللحن بالتريلز، هذه الاداه التي لاتزيد على ان تكون زخرفة ثانويه، جعلها بيتهوڤن عنصراً أساسياً للحن فيوچي ! ، بهذا تفوق بيتهوفن على باخ الماستر الأول لقالب الفيوچ.

hammerklavier mov4 fugue theme

استخدم بيتهوڤن كل فكرة ممكنه ليصنع الفيوچ، جعل الالحان تتداخل ببعضها و تتبادل تكملة اللحن على درجاتها الصوتيه المختلفه، جعل الالحان متعاكسه كما تتعاكس الصور في المرآه، و استخدم أداة الريتروچريد التي يتراجع فيها اللحن إلى الخلف (فتكون أول نوتة فيه هي آخر نوته و آخر نوتة هي الأولى) و في خضم هذه الفوضى المعقده من الاصوات الغير مترابطه و كأنها موسيقى القرن العشرين الغير نغميه (التي اخترعت بعده باكثر من قرن) يظهر لحن كورالي يعود بنا إلى ألحان العصور الوسطى المونوفونيه (خط لحني واحد) هادئ و مشبع بالسلام الروحي .

مذهل كيف استطاع بيتهوڤن أن يجمع موسيقى الكون بأكمله في مقطوعة واحدة و هو فاقد تماما حاسة السمع.

عازف البيانو كيمبف  وصف هذه الحركه بالتالي :

 “.. و ذلك الفيوچ العظيم تأليفٌ عجيب، الذي يجب أن يُقرأ بدلاً من ان يُسمع. فن الكاونتربوينت بأكمله اجتُمع بجرأة مذهله. وأكثر من ذلك، بيتهوڤن كتب عليها كلمات قليله تُفهم وكأنها اعتذار: ” فيوچ مع بعض الاباحات” و بهذه الاباحات تكمن أصالة هذه الفيوچ. هكذا بيتهوڤن يضفي روحاً جديده لهذا القالب المهيب. و لكنه مع ذلك لم يتلفها. هو يحترم القوانين العريقة للفيوچ. فالأصوات المختلفه التي تتطور بحرية تعود بالنهايه لتُطيع القوة الخارقة للهارموني. لايوجد فوضى هنا، بل احترام عميق للقوانين الأبديه التي دائما ماتنظم حركات النجوم والكواكب. بالنسبة لي هذه فعلا موسيقى كونية.”

من الواضح ان هذه السوناتا من المستوى الرفيع جدا، الكثير من العازفين المشهورين والخالدين لم يتجرأوا و يخوضوا تجربة عزفها، او ربما لم يجدوا فيها مايرغبون بالتعبير عنه من خلالها، وجدت عدة عازفين من مدارس مختلفه ابدعوا في عزفها كلٌ و رؤيته الخاصه التي يصعب شرحها و تتضح بالاستماع بشكل أفضل، اخترت الحركة الأولى المشرقه و الحيويه لتظهر قدرات العازفين كما في الفيديو :

 و للاستماع للعمل بأكمله تجدون عزف السوڤييتي الراحل چيللس في حفلة موسكو كونسرفتوار عام 1984

التشيلّو سويت ل باخ

وسوم

,

J.S.-Bach

الحقيقه انني احترت عند كتابتي لهذه التدوينه بين تركيزي على السويت او الكتابه عن مؤلفها العظيم او عن تلك الآله الساحره ؟

باخ، البحر الموسيقي.. لايمكن الكتابه عن احد اعظم عباقرة الموسيقى بهذه السهوله و بهذه البساطه، أعماله التي وصلت الى مستوى إلهيٍ من الكمال والمثاليه استمرت في تشكيل الموسيقيين منذ ثلاثه قرون وستستمر في ذلك مادامت الموسيقى موجوده. ظهر باخ في عصر الباروك بالرغم من الامكانات البدائيه للآلات الموسيقيه في ذلك الوقت، و وعي المستمعين الفقير في الموسيقى والجهل بالعلم الكائن وراءها، فقد كان الهدف الرئيسي منها هو تقديس الإله من خلال الكنيسه ولم تكن تُعزف الموسيقى للجمهور الا بداخل الكنيسه ويتلقاها المستمعون الزاهدون بالدنيا والذين لايكادون يبذلون جهداً في الانتباه لما تسمعه اذانهم من اعمال عظيمه غيرت تاريخ الموسيقى من بعدها.

عندما يكتب باخ قطعه موسيقيه فهو يكتب للكمال الموسيقي ليُجاري بذلك مجد الإله، لا ينتظر تقديراً او فهماً من الذين يسمعونه، ولا تحدّه بساطة الآلات الموسيقيه في عصره، حتى انه في عمله الأخير The Art of Fugue لم يحدد الآله أو الآلات التي ستعزفها ( الفيوچ: لحن وحيد يتكرر على طبقات الصوت الأربع ليكوّن خطوط متلاحقه تندمج و تتشابك بشكل متناسق) و ترك هذه المهمه للاجيال القادمه من الآلات الموسيقيه الحديثه. حاليا تُعزف هذه الفيوچ على البيانو، اكثر الآلات قدرته على دمج اصوات متعدده بمداها الكامل. واحيانا تُعزف على الوتريات. ولكن حينما ينوي باخ الكتابة على آلة محدده فهو يستخرج منها كل الامكانات المستطاعه لترضي الكمال الذي يتوق اليه. هنا استطيع عن اتحدث عن التشيلّو سويت..

775px-Frederick,_Prince_of_Wales,_and_his_sisters_by_Philip_Mercier

اللوحه للرسام Philip Mercier تصوّر أمير ويلز “فريدرك” وهو يعزف التشيلو برفقة اخواته الثلاث. رسمت عام 1733.

التشيلّو آلة دافئه، عميقه و ربما استطيع أن اقول انها حكيمه، تماما كروح باخ. و الأحن من هذا كله انها اُعتبرت أقرب الآلات لصوت الانسان. لها اربع أوتار و يجمع مداها الصوتي طبقات الأصوات الأساسيه، من السوبرانو حتى البيز، و غالبا ماتتبع تقنيات العزف الخاصه بالوتريات. لا عجب ان باخ اختارها ليكتب لها السويت السته. في حين اعتبرت هذه الآله مكمله للوتريات و مخصصه لملئ الفراغ في الأعمال الاوركستراليه و غير قادره على عزف موسيقى متكامله باللحن والهارموني معاً، اي انها آله مونوفونيه ( وحيدة البُعد الموسيقي) تعزف خطاً واحدا فقط. و لكن باخ لم يقلل من قدرتها و كتب لها في هذه السويت موسيقى بولوفونيه ( متعددة الأصوات ) بشكل ضمني و في خط واحد! لاتظهر تلك الموسيقى البولوفونيه الا عند الاستماع بحيث جعل بعض النغمات تظهر و تنطبع في ذهن المستمع اكثر من نغمات اخرى لتشكل بذلك كوردات (هارموني) توازن اللحن و تكمله. و لكن حينما يغفل العازف و المستمع عن إدراك تلك الابعاد الضمنيه في بعض أعمال باخ فإنه من المحتمل ضياع الميزه الأساسيه في موسيقاه وبالتالي التقليل من قيمتها. باخ يعزف الكمان و الاورچن بمهاره و لم يعزف التشيلو و لكنه عندما كتب هذه السويت كتبها كمن يعزف الاله، كانت كل الالحان ممكنه العزف على التشيلو الباروكي الذي كان اصغر حجما عن التشيلو الحالي و كانت أوتاره خمسة بدلا عن الأربعه الحاليه، عوضاً عن الفرق الأساسي؛ الماده التي صُنع منها الوتر كانت من أمعاء الأغنام و الآن يُصنع من مواد معدنية. والقوس (الأداه التي تعزف على الأوتار) الذي تختلف تقنيات عزفه عن القوس الحالي.

للأسف دُفنت تلك السويت منذ كتابتها و ظلت مهمله من القرن الثامن عشر باعتبارها ليست أكثر من تمارين للعازف وانها لم تكن صالحه لمتعة الجمهور حتى اكتشفها عازف التشيلّو المشهور “پابلو كازالز” في مكتبه موسيقيه و مسماه باسم مُظلل ( ايتيود سويت) و ظل يعزفها و يدرسها صباح كل يوم حتى تجرأ بعزفها امام الجمهور بعد اثنتي عشرة سنه، ولم يقبل بتسجيلها وتقديمها بشكل يليق بها الا عند تجاوزه عمر الخمسين..

“ فجأه اقتربت من حزمة من الصفحات، متداعيه وألوانها باهته مع العمر، كانت السويت من يوهان سباستيان باخ – للتشيلو فقط !…. أنا لم اسمع أبداً بوجود هذه السويت؛ لم يسمع بها أحد، حتى أساتذتي لم يذكروها لي أبداً… رجعت للبيت مسرعاً، ممسكاً بالسويت و كأنها تاج من الجواهر، و حالما دخلت غرفتي تمعنت فيها. قرأتها و عدت قراءتها. كنت بعمر الثالثة عشر في ذلك الوقت، و لكن ذهولي بما اكتشفت استمر في النمو طوال السنوات الثمانون التاليه. هذه السويتز فتحت عالما جديدا كليا. بدأت بعزفها بحماس لايوصف، أصبحت أعز موسيقى لدي. درستها و عملت عليها كل يوم في السنوات الاثنى عشر التاليه.“

بعد أن انتشر تسجيله للسويت سنه 1939 توالت التسجيلات و كثرت الدراسات حولها و اصبحت الآن تجاري شهرة أحد أعمال بيتهوفن وخصوصا البريلود في السويت الأولى :

كثير من عازفي التشيلو هم أشخاص استثنائيون، ربما يعود ذلك لتأثير الآله.. پابلو كازالز، الانسان بكل طهاره، شهرته لا تُنسب فقط لاكتشافه السويت و لكن الطريقه التي يعزف بها بسهوله و طبيعيه وكأن التشيلّو أحد اعضاء جسمه، وقيادته المميزه للاوركسترا التي تعبر عن مفهومه العام للموسيقى والحياه وأهمية البساطه والتوجه نحو الطبيعه ونبذ كل ماهو مصطنع و كاذب، و دعوته للسلام في كل مناسبه كما علمته أمه بالرغم من ولادته وسط الحروب.. هنا أحد خُطبه :

“ ماذا نُعلم أبناءنا ؟ نعلمهم أن اثنين و اثنين يكونون أربعه، وأن باريس عاصمة فرنسا. متى سنعلمهم مَن يكونون ؟ يجب أن نقول لكل منهم: هل تعلم من أنت ؟ أنت معجزه. آنت استثنائي. في كل السنين التي مرت، لم يُخلق طفل مثلك، بمثل قدميك، يديك، اصابعك الماهره، والطريقة التي تمشي فيها. ربما ستكون شكسبير، مايكل انجلو أو بيتهوڤن. لديك القدرة ان تكون أي شئ. نعم أنت معجزه. و عندما تكبر، هل ستؤذي شخصاً معجزه آخر؟ يجب أن تعمل، يجب علينا جميعا أن نعمل لنجعل هذا العالم جديرٌ بأن يعيش فيه أطفاله.”

في الفيديو كازالز يعزف أغنية من تأليفه في حفل منحه وسام السلام للأمم المتحدة تقديرا لموقفه من أجل السلام والعدالة والحرية وهو بعمر 94..

السويت الباروكي عادة مايحوي مجموعة من الرقصات الأوربيه تشتهر فيها كل بلده بحيث تستعرض كل رقصة بصوتها الخاص الثقافه واللغة والتاريخ التي خرجت منه، وتُعطي انطباعاً بشكل ما عن شخصيه الفرد في ذلك البلد. تُعبر هذه الرقصات بمختلف ألوانها عن البهجه، التراجيديه، الدراما والشاعريه و تلامس الروح قبل القلب..

 – الألماند Allemande ؛ رقصة ألمانيه تكتب على الريثم الاعتيادي 4\4 ، وصفها أحد طلاب باخ بأنها “ صورة للروح الراضية، التي تتمتع بالهدوء و التنظيم”.

ألماند من السويت الأولى:

 – الكُورانت Courante ؛ رقصة الارستقراطيين الفرنسيين، هي المفضله للملك لويس الرابع عشر .غالبا ماتكون على ريثم 3\4 ، و توصف بأنها مشبعه بالامل الحلو، و فيها من التوق و الابتهاج في اللحن.

كُورانت من السويت الأولى:

 – السراباند Sarabande ؛ رقصة أسبانيه تُرقص ببطئ على الريثم 3\4 .شاعريه بدرجة أولى، وتمثّل نقطة راحه و تأمل من بين قطع السويت. باخ استغل سرعتها البطيئه ليملأها بوقفات و كوردات صعبه العزف في السرعه العاليه.

سراباند من السويت الأولى:

– المِنيوَت Minuet ؛ رقصة إيطاليه سميت بذلك لانها تصف الخطوه الصغيره التي يخطوها الراقص. أحيانا تكون على المفتاح السعيد (major) او الحزين (minor). و يغلب عليها طابع الحركه ولكنها ليست سريعه، تكتب أيضاً على الريثم 3\4.

منيوت من السويت الأولى:

 – البوري Bourrée ؛ رقصة الفلاحين الفرنسيين، غنيه باللحن و مُبهجه، سريعه ولكنها ليست بالمستعجله و فيها لزمة توكيديه عند كل إيقاع، و دائما ماتكون على الريثم الاعتيادي 4\4.

بوري من السويت الرابعة:

– الچاڤوتي Gavotte ؛ رقصة فرنسيه شعبيه، معروف عن هذه الرقصه انها حيويه ومفعمه بالحياه، مهتاجه وغير سلسه. تُكتب على الريثم 2\2.

چاڤوتي من السويت السادسه:

– الجيچ Gigue ؛ رقصة أصولها ايرلنديه بريطانيه، اشتهرت في عصر الباروك ويعود معناها لكلمة (وَثب فرحاً). حيويه و فيها لزمة توكيديه عند الإيقاع الثالث. يختلف الريثم الذي تُكتب عليه ولكنه غالبا مايكون 6\8.

جيچ من السويت الرابعة:

تتكون السويت الواحده من خمس رقصات تكتب جميعها على نفس المفتاح و نفس السلم و تبدأ بالمفتاح الأول ثم الخامس و تنتهي بالأول، كل رقصه كتبت بجزئين و كل جزء يعاد ليسمح للعازف بالتعبير عنها بشكل مختلف عن العزف الاول فيما عدا البريلود التي تُفتتح فيها السويت لا تُعاد ألحانها. البريلود؛ مقدمه حُره قبل البدء في العزف الحقيقي بحيث تقدم الفكرة الاولى عن المفتاح الذي ستعزف فيه و عن الشخصيه الاساسيه لهذه السويت، تتمتع بحريه في الشكل بحيث لايوجد ريثم معين يجب ان يُتبع وغالباً مايكون تأثيرها آكبر على المستمع، ومن الممكن ان تكون قطعه مستقله عن العمل بأكمله.

بريلود من السويت الثانية:

عند الاستماع للسويت نجد اختلافا واضحا بين العازفين، اختلافا في بعض النوتات الأساسيه في اللحن بسبب عدم وجود النسخه الأصليه من خط باخ و النسخه المتبقيه هي من كتابة آنا ماچدالينا (زوجة باخ الثانيه) و لوحظ فيها بعض الأخطاء لهذا تعددت الدراسات والبحوث عن السويت و أُصدرت الكثير من النسخ تحرياً للنسخه الأصح والتي يُعتقد انها الأقرب لما كان ينويه باخ عند كتابته للسويت. وايضا يعود الاختلاف بين العازفين الى انه في عصر الباروك لم يكن متعارف كتابة الداينمك* على العمل الموسيقي بشكل واضح، لم يظهر الاهتمام في كتابته الا في عصر الكلاسيك لهذا نجد بعض النوتات معزوفة بقوه في حين نفس النوتات عُزفت من عازف اخر بصوت عادي او هادئ. و هنالك أيضا توجهات او مدارس للعزف وينطبق ذلك على اي آلة موسيقيه، ربما استطيع ان احدد سمتين أساسيتين من بين تلك التوجهات ؛ الأولى محاوله العازف ابراز شاعريه القطعه الموسيقيه والتعبير من خلالها عن مشاعره الخاصه. و الأخرى هي توجه العازف للصحه والدقه العلميه في القطعه الموسيقيه و النظر في سجلها التاريخي. بالطبع السمتين مهمتين و لا يجب ان يُهملوا و لكن احيانا تطغى إحداها على الأخرى .

* المقصود بالداينمك هو درجة علو او انخفاض صوت العزف في مقاطع معينه ليسمح بتباين التعبير وابراز بعض الجمل الموسيقيه او اخفاءها؛ علامه فورتيه f اي علو صوت العزف، پيانو p اي انخفاضه ؛ كذلك الارتفاع التصاعدي لصوت الجمله الموسيقيه او غالبا السلم كريشِندو (crescendo) ؛ وايضا الانخفاض التنازلي في الجمله ديمنويندو (diminuendo)

rostropovich-plays-for-a-united-berlin-1387209943-article-0

حاليا تُعزف هذه السويت في المناسبات الرسميه والحزينه أحيانا، صوت التشيلّو له دور في ذلك، بالرغم من ان السويت مكوّن من رقصات، ولكن ليكسر عنها هذه الصوره الكئيبه قام عازف التشيلّو الروسي ‘روستروبوفيتش’ بعزف مقاطع منها عند جدار برلين احتفالا بسقوطه.

تشايكوڤسكي

وسوم

Screen Shot 2015-01-01 at 3.14.04 AM

 الموسيقى هي أجمل هدايا السماء للبشرية الهائمة في الظلام، وحدها تُهدئ، تنير، وتسكّن أرواحنا

بدأ شغف أحد اعظم الموسيقيين الرومانسيين بالموسيقى عند سماعه الأول لأوبرا موتسارت “دون چيوفاني” من صندوق موسيقي بدائي، كانت تلك الموسيقى تتردد في رأسه لأسابيع ولايكاد يمل عزفها على البيانو، ألهمه “مسيح الموسيقى” كما يسميه تشايكوڤسكي طوال حياته بالموهبه الموسيقيه التي بدأت بالظهور منذ عمر الرابعه عندما كتب قطعه موسيقيه لأمه حينما رحل عنها ليتعلم في مدرسة داخليه، ولأنه “الرجل الزجاجي” فقد تأثر بهذا الابتعاد أشد التأثر.

 كانت موسيقى موتسارت بالنسبة له تجسيداً للجمال الإلهي في شكل الإنسان، لقد كان الموسيقي المثالي من جميع النواحي بالنسبة له ، كان كتاب البيوچرافي عن موتسارت الذي كتبه الألماني أوتو چان لا يكاد يفارق طاولة قراءته، وحين يحضر أحد الحفلات التي يُعزف فيها لموتسارت ينزوي في مكان بعيد عن ملاحظة الناس حتى يتسنى له الانفعال بحريه مع تلك الموسيقى الإلهيه.

 لقد أيقظ فيّ حماساً مقدساً ما أزال أقطف ثمراته حتى الآن.. لموتسارت الفضل في أنني وَهبت حياتي للموسيقى. أعطاني الدافع الأول لقواي الموسيقية و جعلني أحب الموسيقى أكثر من أي شئ آخر في هذه الدنيا

 بالرغم من موهبته الموسيقيه الا انه اختار دراسة القانون، اختياره لم يكن غير عقلاني بسبب وضع التعليم الموسيقي في ذلك الوقت، لم يكن هناك تعليم أكاديمي و لامعاهد موسيقيه قائمه وكان التعليم يجري على ايدي اساتذه خصوصيين فرنسيين او ايطاليين ، هذه البيئه ليست سيئة او عديمه النفع فقد خرج منها “چلينكا” الأب الموسيقي لكل الروس والذي كان له الفضل في بناء الصوت الروسي (يشبه في وضعه باخ بالنسبه للألمانيين) ، ولكن “روبنشتَين ” الموسيقي وعازف البيانو المحترف أنقذ الموقف بتأسيسه لأكاديميه موسيقيه تدرس الموسيقى بثقافه أوربيه ولكن بلغه روسيه لأول مره! فقد كانت تُدرس بالفرنسيه او الألمانيه. تشايكوڤسكي لم يفوت هذه الفرصه وانضم مع أول الطلاب في الاكاديميه و ترك مسار القانون بعد عمله ثلاث سنوات في وزاره العدل.

فور تخرجه من المعهد عُين أستاذا فيها و درّس الهارموني وكتب كتابا علميا عنه تُرجم لعدة لغات، ازدهرت موهبته الموسيقيه وكتب حينها أول أعماله الكبيره ( البيانو كونشرتو الأولى) المشهوره بافتتاحيتها العظيمه والتي لم تنل رضى معلمه روبنشتيَن في أول عزف لها ، لاختلافها مع توقعاته كعازف بيانو محترف ولم ينظر للكونشرتو بمنظور موسيقي متكامل بجمال ألحانها و بتركيبتها و معانيها، تشايكوڤسكي كان ناضجاً موسيقياً حينما كتبها و لم يكن يحتاج تعلم المزيد منه او من غيره، لهذا كان رده على نقد روبنشتَين بعدم تغيير نوتة واحده من الكونشِرتو.

موسيقته المشبعه بالروح الروسيه كما هو الحال في قصائد بوشكين وأغاني چلينكا، و موهبته الجليه في صياغة ألحان رومانسيه خالصة العذوبه بنزولها وصعودها على أوتار الكمنجات أو الأوتار الخفيه لآلات النفخ، ببلاغتها العظيمه وانفعالها القوي، المدعومة بخبرة كبيره في الهارموني والأوركستريشن الغني بألوان الآلات وباستخدامه الغير مسبوق للاغاني الفولكريه في قوالب موسيقيه كبيره ومعقده كالسمفونيات. جعلت منه الأيقونه الرومانسيه للموسيقى الروسيه.

 كبرت في الريف و تشبعت منذ صغري بالجمال الغير مفسر للسمات التي تميز الأغاني الفولكريه، لهذا أنا أحب بشغف أي تجليٍ للروح الروسية. باختصار، أنا روسي بكل معنى الكلمه.

 تشايكوڤسكي دائم النقد لذاته لعدم قدرته على الالتزام بالقالب الموسيقي ( اعني بالقالب الموسيقي الشكل العام الذي تُبنى على أساسه القطعه الموسيقيه كمثل قالب السوناتا،الروندو ،المنيويت الراقص، التريو الثلاثي، وغيرها) وقد اعترف بذلك في احد رسائله :

مؤلفاتي لن تصبح أبداً مثالا جيداً للقالب الموسيقي الصحيح، أستطيع فقط تصحيح الأخطاء بمساعدة طبيعتي الموسيقيه. ولكن لا أستطيع تغيير جوهر ما كتبت.

من الواضح انه لا يتوافق مع العمل المقولب الذي يلزمه بحدود معينه والفنان لايبدع الا في فضاء من الحريه. سمفونياته الثلاث الاخيره الاكثر شهره لم تكن جيده من ناحية البناء القالبي ولكن ألحانها الرئيسيه والالوان الموسيقيه والافكار المتنوعه والمتجدده فيها وصلت لقلوب الناس قبل عقولهم وبالمقابل سمفونيته “مانفريد” التي تعتبر من افضل الأعمال (قالبياً) ليست مشهوره و بالكاد تُسمع. اذن ماهو المقياس للعمل الموسيقي الجيد؟ باعتقادي أن العامل المهم في الموسيقى هو اللحن الرئيسي والذي لايضاهي تفوق  تشايكوڤسكي فيه أي موسيقي اخر و بالطبع الهارموني الجيد الذي يتوافق معه، ثم الاوركستريشن الذي يُوفق فيه تشايكوڤسكي بحنكه و ذائقه فائقه باختيار الآلات المناسبه للحن المراد التعبير عنه من خلال الآله الموسيقيه،، الموسيقى ليست قوالب! بل هي الطريقة الأبلغ للتعبيرعن مابداخلنا ويمكن أن تؤدي القوالب دور التنظيم فقط

220px-Nadezhda_von_Meck

ناديزدا ڤون ميك

 في عام 1876 تلقى تشايكوڤسكي رساله من “ناديزدا ڤون ميك” تُعبر فيها عن إعجابها وتقديرها لأعماله الموسيقيه، ڤون ميك أرمله وأم لسبعة أبناء، لها مكانتها الرفيعه في المجتمع وتَعني الموسيقى لها الشئ الكثير، فما كان من تشايكوڤسكي الا ان يرد لها بشكرها على كلماتها المشجعه. و بعدها توالت الرسائل بينهم. وجد تشايكوڤسكي فيها الصديق الروحي والمثقف و المساند، كان كثيرا ما يراسلها بكل تفاصيل حياته وموسيقاه ويتناقشون حول الموسيقى والفلسفه،، الغريب أنه بالرغم من وجود علاقة نسب بينهم في العائله وارتباطهم بصداقات مشتركه مع العديد من الأصدقاء، الا انهم لم يلتقوا طوال 14 سنه واكتفيا بالمراسله.

 في نفس السنه التي تلقى فيها تشايكوڤسكي رساله من ڤون ميك، تلقى رساله أخرى من (انتونينا) إحدى طالباته السابقات التي لايتذكرها تشايكوڤسكي حتى، تعترف فيها بحبها العظيم له و الذي دام اكثر من عشر سنوات صامته، كانت انتونينا بعمر ال28 و لم يقبل قلبها سواه طوال تلك السنين، تشايكوفسكي الذي كان يعكف على كتابة اوبرا (اونيجن) المأخوذه من نص الشاعر بوشكين، والتي تتمثل قصتها عن حب عقيم من تاتيانا ل اونيجن الشاب المتكبر الذي رفض حبها و استهتر برسالتها المشبوبه بالعاطفه، تشايكوڤسكي لم يكن يريد ان يصنع من انتونينا تاتيانا اخرى فعرض عليها الزواج بعد عدة مراسلات بينهم بالرغم من انها لم تحرك قلبه لكنه قرر الزواج بها تقديرا لحبها و عطفا على وضعها و آملا ان يحبها بعد الزواج و لكي يُسكت الشائعات التي كثرت حول كونه مثلي الجنس. كتب رساله لڤون ميك:

.. يبدو و كأن قوه القدر تجرني لهذه الفتاه

تشايكوڤسكي و أنتونينا في شهر العسل

تشايكوڤسكي و أنتونينا في شهر العسل

هذا القدر الذي حاول تصويره بنفخات من الهورن في افتتاحية سمفونيته الرابعه. لم يستمر الزواج طويلا وكان تأثيره عظيما عليه , لم يكن يستطيع التقرب من تلك الفتاه فوجد نفسه في مأزق لم يعرف الخروج منه الا بمساعدة اخوه و ڤون ميك فأنهيا هذا الزواج الفاشل والذي أدى  تشايكوڤسكي بمحاولة الانتحار ورمي نفسه ليلاً في النهر آملا ان يصيبه التهاب رئوي ينهي حياته ,ففقد الوعي لمده يومين إثر تأثره النفسي الشديد.

ڤون ميك المرأه الفاضله ساعدت تشايكوڤسكي في ظرفه و دعمته معنوياً ومالياً فاشترت الحقوق الأدبية لبعض أعماله و تعهدت له بمصروف سنوي يغنيه عن العمل كمدرس في المعهد و يتفرغ للتأليف, تشايكوڤسكي بدوره أهدى لها سمفونيته الرابعه (إحدى أشهر أعماله), و شرح لها فكرة السمفونيه بكل حركاتها في رساله ..

في سنة 1893 كان تشايكوڤسكي منشغل بالزيارات الموسيقيه في أوربا و أثناء ذلك خطرت له فكرة سمفونية جديده “پاثتيك” (مقال مفصل عن سمفونيه پاثتيك)، وقد كتب في أحد رسائله إلى ابن أخيه، الذي أهدى له هذا العمل فيما بعد، أنه كان يذرف الدموع كلما خطرت له احد مقاطعها:

يجب أن أحكي لك كم أنا سعيد بهذا العمل. كنت قد بدأت رحلتي، خطرت لي فكرة لسمفونية جديده، هذه المره تكون ببرنامج* و لكن برنامجاً من النوع الذي يبقى لغزاً عن الجميع، فليُخمنوه ان استطاعوا ذلك. البرنامج يتخلله مشاعر (رؤية) شخصيه. خلال رحلتي كنت كثيراً ما أذرف الدموع حين أؤلفها بعقلي ، الآن و قد عدت لمنزلي و جلست أكتب مسودة العمل، تقدمت فيه بحماسة كبيره وفي أقل من أربعة أيام أنهيت الحركة الأولى، بينما باقي السمفونيه موجز بوضوح في عقلي، سيكون هناك الكثير من الروايات بخصوص القالب لهذا العمل، مثلا ،الحركة الأخيره لن تكون أليچرو عظيم بل ستكون أداچيو لأسباب جديرة بالاعتبار. لن تتخيل السعادة التي أشعر بها عندما أرى أن يومي لم ينتهي بعد فاستطيع ان انجز أكثر..

* البرنامج Programme يقصد فيها النوع من الموسيقى الذي يُعبر عن رساله او قصة مشهوره او شخصيه من خلال الموسيقى, مثل شهرزارد للموسيقي رمسكي ،،

لم يكن يدرك انها ستصبح قداس موته فقد مات بعد اسبوع من أول عرض لها اثر اصابته بالكوليرا, كان فخورا بنفسه لانه انجز هذا العمل الذي حاز على كامل رضاه، ولكن موته المفاجئ والحزن اليائس الذي كان يملأ السمفونيه وبالأخص الحركة الأخيره والألحان الرئيسية التي يغلب عليها طابع النزول؛ اعني السلالم التنازليه التي صنع منها تشايكوڤسكي ألحانا عديده، كل تلك الأمور أثارت الشائعات حول موته وانه أراد إنهاء حياته واستخدم المرض وسيلة ليبدو وكأنه مات ميتة طبيعيه،، ولكن كيف أصيب بالكوليرا ؟

في أحد الأيام الاحتفاليه التاليه للعرض الأول من پاثتيك ذهب تشايكوڤسكي بصحبة اخيه موديست و الموسيقي چلازينوڤ لتناول العشاء في احد المطاعم فطلب تشايكوڤسكي كأساً من الماء في الوقت الذي كان ڤايروس الكوليرا يملأ روسيا، كان من المفترض غَلي الماء و تعقيمه قبل تقديمه و لكن اتضح انه لم يكن مغلياً ففي اليوم التالي استيقظ تشايكوڤسكي وهو يعاني آلاماً فضيعه في معدته لم تفارقه حتى توفي بعد ثلاثة أيام كان يهذي خلالها باسم ڤون ميك.

أمن الممكن أنه كان يعرف أن الكأس لم يُغلى و شربه عن قصد ؟!  في نفس اليوم قبل ذهابه للمطعم كان قد التقى مع صديقه الممثل فارلاموڤ وراء كواليس إحدى مسرحيات أوستروڤسكي وكان من بين كلماته:

أشعر أنه يجب علي أن أعيش فترة أطول

كيف يمكن أن ينتج الانسان عملاً عظيماً كهذا العمل وهو في أدنى درجات اليأس؟ كيف يمكن أن يتوافق الافتخار مع اليأس؟

من العجيب ان تشايكوڤسكي اختار قطعة لموتسارت ليقودها (المايسترو الذي يقود عزف الفرقه الموسيقيه) بعد ان قاد العزف الأول لپاثتيك كعرفان و شكر لملهمه الأول والذي انتهت حياته وهو يكتب قداسه على فراش الموت ولم يكمله. ان الشبه عجيب بين النهايتين.

قبره في سانت بطرسبرغ - روسيا

قبره في سانت بطرسبرغ، روسيا

السؤال الذي يَلح علي الآن .. أهو الفن الذي يُحاكي حياة الفنان، أم أن حياة الفنان هي التي تُحاكي فنه ؟

پاثـتيـك

وسوم

, ,

 

2543411a

تشايكوڤسكي

السمفونيه السادسه (پاثتيك) على مفتاح B minor – التأليف رقم 74

 كثيرا ماينتقد النقاد هذه السمفونيه من ناحية التزام تشايكوڤسكي بالقالب الموسيقي الصحيح و خصوصا قالب السوناتا الذي دائما مايكون في الحركه الأولى من أي عمل موسيقي كبير، النقاد يتحدثون عن عدم انسجام هذه السمفونيه ككيان واحد و لكنهم يرون ذلك من زاوية ضيقه و أكاديمية للغايه، تشايكوڤسكي كون هذا العمل العظيم من أداة واحده: السلالم! فقط من هذه السلالم ( تنازلية كانت أم تصاعديه ) صنع العديد من الألحان البليغه و أشباه الألحان (موتڤ) ، الانسجام هنا يأتي من الأداه الواحده (السلالم) التي استخدمت في كل الحركات الأربع وجعلت بينهم رابط ضمني لايُفسر بسهوله و أدت وظائف عديده تخدم رؤيته لهذه السمفونية .

قبل البدء في التحليل الموسيقي يجب أن أوضح فكرة قالب السوناتا الذي دائما ما يكوّن الحركة الأولى من أي عمل موسيقي كبير..

 القالب السوناتي يحوي ثلاث أجزاء مرتبة:

جزء عرض الألحان والذي غالباً مايُؤلف فيه لحنين رئيسيين، اللحن الأول (ثيمI) و اللحن الثاني (ثيم II).

ثيم I يُكتب على المفتاح الأول من السلم الموسيقي المُقرر اختياره للقطعة.

ثيم II يُكتب على المفتاح الخامس من نفس السلم الموسيقي.

في هذه السمفونية، السلم المقرر لها هو B minor ؛ إذن اللحن الأول سيكون على مفتاح B minor و اللحن الثاني سيكون على مفتاح F# major

الجزء الثاني تطوير تلك الألحان و الذي يُعمل فيه تنويعات و تغييرات على الألحان.

الجزء الثالث إعادة عرض تلك الألحان في أصلها و يمكن هنا تغيير المفتاح الذي تُعزف عليه فقط.

ثم أخيرا تكون هناك ختمة للحركة (Coda).

الحركة الأولى :

الحزن الكبير الذي يملأ هذه السمفونيه يبدأ من السطور الأولى لها، افتُتحت بصوت عميق وكئيب من آلة الباصون تعزف شبه-لحن (موتڤ) على أخفض درجات الباصون والذي يقابل برد رثائي من مجموعه آلات الڤيولا، يُسمع جزء من هذا الرد الرثائي فيما بعد على الات النفخ و كأنها تصرخ صرخات مضنية ثم تكمل بعد ذلك آلات الڤيولا رثائها قبل أن يعم صمت لحظي. ليبدأ بشكل مفاجئ اللحن الأول (ثيم I) على مفتاح B minor معزوفا على آلات الڤيولا سريعاً و متوتراً و ينتقل بخفه على باقي آلات الاوركسترا،

Tch. 6th Symph. 1st mov 1st theme

وبعد عزف متبادل بين آلات النفخ و الآلات الوتريه لأصداء من اللحن الأول ، تقود آلات النفخ النحاسيه الاوركسترا للذروه الموسيقيه و تزيدها توترا و شده حتى ينتهي ذلك تدريجياً بعزف فردي صاعد من آلات الڤيولا ليُمهد بدخول اللحن الثاني (ثيم II) على مفتاح F# major. يجري على مسامعنا لحنٌ بالغ العذوبه، رومانسي و حالم، يفيض بالمشاعر والانفعالات. تماما، كالشخصيات التي نقرأها في الأدب الروسي. يُعزف هذا اللحن برقّه على الكمنجات و التشيلّو، هنا تشايكوڤسكي يقدم واحد من أروع ألحانه ..

Tch. 6th Symph. 1st mov 2nd theme Tch. 6th Symph. 1st mov 2nd theme part 2

بعد انتهاءه يتبادل الفلوت و الباصون العزف على مقاطع سُلميه تصعد و تنزل فوق خلفية لحن حماسي يُعزف من الوتريات، وبعد ذروة موسيقيه تَعزف آلات النفخ مجتمعة سُلماً تنازلياً يعود باللحن الثاني (ثيم II) أكثر حدة وقوة و يُعزف بنفس المفتاح F# major و لكن بدرجة (أوكتڤ) أعلى من السابق و يُشارك في عزفه باقي آلات الاوركسترا ثم يُعاد مرة اخرى بسرعة هستيريه و بشغف أكبر حتى لا يتبقى منه سوى بضع نوتات تتنازل ببطئ ، ثم تعزف آله الكلارنيت وحيدة ذلك اللحن البديع (ثيم II) عزفا مليئا بالحنين يتبعه الباصون بصوت لا يكاد يسمع و يعزف اخر أربع نوتات من جزء عرض الألحان و يختمه بعدما استفتح هذه الحركة.

و فجأه تنفجر كامل الاوركسترا و تثور غضباً في أكثر اللحظات رعباً بالأعمال الأوركستراليه و بهذا يبدأ جزء تطوير الألحان الذي خصصه تشايكوڤسكي لتطوير اللحن الاول (ثيم I) فقط. بدأ بتطوير سريع و قصير للحن الأول في خضم فوضى عارمه يختلط فيها صرخات آلات النفخ مع العزف المتوتر والغير منتهي من الوتريات ثم يظهر من بينها صوت فاجع لآلة الترومبون تعزف اللحن الروسي التقليدي للقداس الجنائزي، و يستمر التطوير حتى يصل لأكثر اللحظات تراجيدية تتبادل فيها الوتريات و آلة الترومبون حواراً تنازلي يعبر بوضوح عن الإنهيار والسقوط حتى يغرق في الصمت وبذلك ينتهي جزء تطوير الألحان.

فيعود اللحن الثاني (ثيم II) لمجده مشرقا ومملوءاً بالحب ،معزوفاً على الكمنجات بمفتاح آخر؛ D# major، مع عزف تصاعدي (تفاؤل) للسلالم بتكنيك “تريميلو” على الڤيولا و التشيلّو الذي اعطى انطباعا بابتعاد اللحن و كأنه يرحل و يودع ، يتخلله لحن الافتتاحيه (الموتڤ) الذي عُزف من الباصون في بداية الحركة ثم يعزف نفس الموتڤ مره أخرى من الهورن، وبعد انتهاء الكمنجات من إلقاء كلمتها الأخيرة، تعزف الكلارنيت وحيدةً ذلك اللحن (ثيم II) لتلقي هي أيضاً كلمتها الأخيره.

 ثم تأتي الختمه (Coda) مُعلنة بعزف تكنيك ”بيتزيكاتو” (نقر الأوتار) على الوتريات ليأتي دور الهورن و الترومبيت ليعزفوا و كأنهم يغنون لحناً كورالي خريفي يُلقى مرة أخرى من آلات النفخ متحدة وبهذا تختتم الحركة الأولى بجو من الرضا و الهدوء.

الحركة الثانية:

تعطي هذه الحركة ببساطتها و خفتها راحة للمستمع بعد الحركة الأولى الثقيله والمعقدة، تأخذ شكل القالب الثلاثي ( Ternary form) ، أي لحنين رئيسيين ثيم I و ثيم II  يتبادلان الظهور بدون عمل تنوعيات عليهما و تعزف بهذا الترتيب :  I  ثم II ثم I ثم لحن الختمة .

اللحن الأول (ثيم I) ڤالس لطيف و ربيعي من احد ڤالسات تشايكوڤسكي المميزه بطابعها الخاص، اللحن مكتوب ب ريتم 5/4  و ينتهي بعزف سلمي تنازلي بتكنيك ستاكاتو (staccato) (تعزف النوته بضربة سريعه و قصيره ) أعطى ذلك التكنيك شعورا طاغيا بالرقص والمرح، كتبه تشايكوڤسكي على بمفتاح D major و اختار السرعه (tempo) ليكون أليچرو. يُعزف اللحن أول مره على التشيللو مع عزف تكنيك بيتزيكاتو (نقر الأوتار) على باقي الآلات الوتريه ثم ينتقل هذا اللحن الراقص على آلات النفخ و يعود للوتريات بأوركستريشن مختلف..

tchaiko mov 2 theme I . tchaiko mov 2 theme I ..

حتى يصل للحن الثاني المكتوب على المفتاح البديل ل B minor ; D major ، اللحن بُني من السلم التنازلي البسيط معزوف على الكمنجات و الفلوت مع ضربات خفيفه متكرره على التيمباني (الطبل) لنوتة D والذي كوّن ثلاثي (تريو) بين تلك الآلات .

Screen Shot 2015-01-02 at 6.15.00 AM

ثم يُعاد لحن الڤالس الأول معزوفا على الكمنجات و التشيلو مرفقا ب البيتزيكاتو  حتى يتنقل و يعزف على آلات النفخ النحاسيه (ترومبون و ترومبيت)  ثم تسمع أجزاء متفرقة منه على الفلوت و الأوبو و الكلارنيت و الباصون والهورن. حتى تختتم هذه الحركة بالتكنيك المفضل لدى تشايكوڤسكي ؛ بيتزيكاتو على الوتريات مع نغمة أخيره من الهورن والباصون و الكلارنيت للكورد الخامس من السلم.

الحركه الثالثه 

مارش عظيم (موسيقى عسكرية) على سرعة أليچرو مليئ بالحياه، تزدهر فيه الكمنجات بعزف سلالم مندفعه، هنا تشايكوفسكي استخدم وبشكل اساسي المسافات الرابعه لتكوين ألحانه ، من المارش الذي يُسمع أصداء منه لأول مره على آلة الاوبو ثم يعزف بكامله أخيرا على الوتريات ، الى البيتزيكاتو المستخدم على درجه حاده في الكمنجات، كل ذلك يعطي طابعا احتفاليا لايخلو من المرح والافتخار ..

 كثيرا ما توحي هذه الحركة بنهاية السمفونيه ، خصوصا عندما يُعزف الكورال على آلات النفخ النحاسيه و تُضرب آله الصنج الاحتفاليه وكأنه لم يتبق للمؤلف شيء ليكتبه. ولكن ليس بعد ..

الحركه الرابعه :

اختار تشايكوڤسكي إيقاع أداجيو بطيئ لهذه الحركه و خالف القاعده المتعارف عليها في السمفونيات ان تكون الحركه الرابعه أليچرو Allegro  الذي يعني سرعة و خفة اللحن ليُبدد ثقل الحركات الثلاث السابقه وخصوصا الأولى بشكلها السوناتي المعقد، ولكن تشايكوڤسكي هنا حاول اتباع أسلوب بيتهوفن في تركيزه على الحركه الأخيره والتعبير من خلالها عن رسالة مهمه وختام العمل بكودا (ختمه) طويله و ثقيله و التي عكست فيما بعد موت تشايكوڤسكي المُفاجئ بعد اسبوع من العرض الأول للسمفونيه. و لأنه ليس من المعتاد على تشايكوڤسكي هذا الأسلوب فقد فُسر على نيته بالانتحار حتى ان هذه السمفونيه اشتهرت بتسميتها ب نوتة الانتحار ( The suicide Note )

هذه الحركه مكونه من لحنين رئيسيين. الأول لحن تنازلي على مفتاح B Minor يعبر عن الكرب و اليأس والفاجعة. و اللحن الثاني أيضا تنازلي ولكنه يعبر عن الأمل والنُبل و مكتوب على مفتاح D Major المفتاح المشرق المقابل لمفتاح اللحن الأول الحزين وكأنه بهذا يؤدي دور المعزي والمواسي.

اللحن الأول يُعزف من الوتريات جميعها (الكمنجات الأولى ، الكمنجات الثانيه، الفيولات ، التشيللو و الكُنترباص) بحيث تَعزف كل آلة منهم جزء من اللحن و باجتماعهم سويا يكونون لحناً كاملا له طابع تنازلي مع عزف توكيدي (أكسينت) لنوتة واحده مستمرة على آلات النفخ و التي تنمو فتصبح ألحاناً جزئية مساعده (كاونتر ميلودي).

Tch. 6th Symph. 4mov 1st theme

اللحن الأول

 ثم يُعاد نفس اللحن بعد صمت جر وراءه عزف سلمي سريع على الوتريات و لكن بتغيير الآلات التي تعزف النوته التوكيديه لتُعزف على آلة أكثر عمقاً و ظلمه؛ الباصون. ومن هذه الظلمه والصمت يشرق اللحن الثاني مليئا بالأمل و دافئا ، يُعزف على الكمنجات متحده تحت خلفيه عزف متتالي لنوتة E من الهورن الفرنسي

Tch. 6th Symph. 4mov 2nd themeTch. 6th Symph. 4mov 2nd theme 2

يزداد هذا اللحن اشراقا وصعودا باصرار ليقشع هذا الظلام و ينشر النور حتى يصل للسماء و يُكوِّن الذروة الموسيقيه (Climax) ولكنه سرعان ما يسقط و يتخاذل امام العقبات ثم يعيد محاولاته بعناد و قوه والتي سرعان ما تُصمت و تُكبت في كل مره، حتى يتحول هذا اللحن الملئ بالأمل الى يأس قاتم، بعد صمت لحظي تعزف الوتريات سُلما سريعا يجر معه اللحن الأول بنفس حزنه المفجوع ونفس العزف التوكيدي للنوته ولكن هذه المره يُعزف من الهورن الفرنسي، ويتكرر اللحن بشكل سريع و عنيد حتى يصل الى الذورة التي تُنهي هذه المحاولات العقيمه الى غضب و فوضى عارمه تغرق تدريجيا بالصمت الذي يعزف فيه الترمبون والتوبا وحيدين ترنيمة جنائزية مهيبه ، ثم تعزف الوتريات لحن الخاتمه الثقيل الذي يتنقل من الكمنجات مرورا بالڤيولا حتى يصل لأخفض الآلات الوتريه التشيلو و الكنترباص وبهذا تنتهي هذه التراجيديه و تكون بذلك آخر نوتة كتبها تشايكوڤسكي.

تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.