الوسوم
الموسيقى هي أجمل هدايا السماء للبشرية الهائمة في الظلام، وحدها تُهدئ، تنير، وتسكّن أرواحنا
بدأ شغف أحد اعظم الموسيقيين الرومانسيين بالموسيقى عند سماعه الأول لأوبرا موتسارت “دون چيوفاني” من صندوق موسيقي بدائي، كانت تلك الموسيقى تتردد في رأسه لأسابيع ولايكاد يمل عزفها على البيانو، ألهمه “مسيح الموسيقى” كما يسميه تشايكوڤسكي طوال حياته بالموهبه الموسيقيه التي بدأت بالظهور منذ عمر الرابعه عندما كتب قطعه موسيقيه لأمه حينما رحل عنها ليتعلم في مدرسة داخليه، ولأنه “الرجل الزجاجي” فقد تأثر بهذا الابتعاد أشد التأثر.
كانت موسيقى موتسارت بالنسبة له تجسيداً للجمال الإلهي في شكل الإنسان، لقد كان الموسيقي المثالي من جميع النواحي بالنسبة له ، كان كتاب البيوچرافي عن موتسارت الذي كتبه الألماني أوتو چان لا يكاد يفارق طاولة قراءته، وحين يحضر أحد الحفلات التي يُعزف فيها لموتسارت ينزوي في مكان بعيد عن ملاحظة الناس حتى يتسنى له الانفعال بحريه مع تلك الموسيقى الإلهيه.
لقد أيقظ فيّ حماساً مقدساً ما أزال أقطف ثمراته حتى الآن.. لموتسارت الفضل في أنني وَهبت حياتي للموسيقى. أعطاني الدافع الأول لقواي الموسيقية و جعلني أحب الموسيقى أكثر من أي شئ آخر في هذه الدنيا
بالرغم من موهبته الموسيقيه الا انه اختار دراسة القانون، اختياره لم يكن غير عقلاني بسبب وضع التعليم الموسيقي في ذلك الوقت، لم يكن هناك تعليم أكاديمي و لامعاهد موسيقيه قائمه وكان التعليم يجري على ايدي اساتذه خصوصيين فرنسيين او ايطاليين ، هذه البيئه ليست سيئة او عديمه النفع فقد خرج منها “چلينكا” الأب الموسيقي لكل الروس والذي كان له الفضل في بناء الصوت الروسي (يشبه في وضعه باخ بالنسبه للألمانيين) ، ولكن “روبنشتَين ” الموسيقي وعازف البيانو المحترف أنقذ الموقف بتأسيسه لأكاديميه موسيقيه تدرس الموسيقى بثقافه أوربيه ولكن بلغه روسيه لأول مره! فقد كانت تُدرس بالفرنسيه او الألمانيه. تشايكوڤسكي لم يفوت هذه الفرصه وانضم مع أول الطلاب في الاكاديميه و ترك مسار القانون بعد عمله ثلاث سنوات في وزاره العدل.
فور تخرجه من المعهد عُين أستاذا فيها و درّس الهارموني وكتب كتابا علميا عنه تُرجم لعدة لغات، ازدهرت موهبته الموسيقيه وكتب حينها أول أعماله الكبيره ( البيانو كونشرتو الأولى) المشهوره بافتتاحيتها العظيمه والتي لم تنل رضى معلمه روبنشتيَن في أول عزف لها ، لاختلافها مع توقعاته كعازف بيانو محترف ولم ينظر للكونشرتو بمنظور موسيقي متكامل بجمال ألحانها و بتركيبتها و معانيها، تشايكوڤسكي كان ناضجاً موسيقياً حينما كتبها و لم يكن يحتاج تعلم المزيد منه او من غيره، لهذا كان رده على نقد روبنشتَين بعدم تغيير نوتة واحده من الكونشِرتو.
موسيقته المشبعه بالروح الروسيه كما هو الحال في قصائد بوشكين وأغاني چلينكا، و موهبته الجليه في صياغة ألحان رومانسيه خالصة العذوبه بنزولها وصعودها على أوتار الكمنجات أو الأوتار الخفيه لآلات النفخ، ببلاغتها العظيمه وانفعالها القوي، المدعومة بخبرة كبيره في الهارموني والأوركستريشن الغني بألوان الآلات وباستخدامه الغير مسبوق للاغاني الفولكريه في قوالب موسيقيه كبيره ومعقده كالسمفونيات. جعلت منه الأيقونه الرومانسيه للموسيقى الروسيه.
كبرت في الريف و تشبعت منذ صغري بالجمال الغير مفسر للسمات التي تميز الأغاني الفولكريه، لهذا أنا أحب بشغف أي تجليٍ للروح الروسية. باختصار، أنا روسي بكل معنى الكلمه.
تشايكوڤسكي دائم النقد لذاته لعدم قدرته على الالتزام بالقالب الموسيقي ( اعني بالقالب الموسيقي الشكل العام الذي تُبنى على أساسه القطعه الموسيقيه كمثل قالب السوناتا،الروندو ،المنيويت الراقص، التريو الثلاثي، وغيرها) وقد اعترف بذلك في احد رسائله :
مؤلفاتي لن تصبح أبداً مثالا جيداً للقالب الموسيقي الصحيح، أستطيع فقط تصحيح الأخطاء بمساعدة طبيعتي الموسيقيه. ولكن لا أستطيع تغيير جوهر ما كتبت.
من الواضح انه لا يتوافق مع العمل المقولب الذي يلزمه بحدود معينه والفنان لايبدع الا في فضاء من الحريه. سمفونياته الثلاث الاخيره الاكثر شهره لم تكن جيده من ناحية البناء القالبي ولكن ألحانها الرئيسيه والالوان الموسيقيه والافكار المتنوعه والمتجدده فيها وصلت لقلوب الناس قبل عقولهم وبالمقابل سمفونيته “مانفريد” التي تعتبر من افضل الأعمال (قالبياً) ليست مشهوره و بالكاد تُسمع. اذن ماهو المقياس للعمل الموسيقي الجيد؟ باعتقادي أن العامل المهم في الموسيقى هو اللحن الرئيسي والذي لايضاهي تفوق تشايكوڤسكي فيه أي موسيقي اخر و بالطبع الهارموني الجيد الذي يتوافق معه، ثم الاوركستريشن الذي يُوفق فيه تشايكوڤسكي بحنكه و ذائقه فائقه باختيار الآلات المناسبه للحن المراد التعبير عنه من خلال الآله الموسيقيه،، الموسيقى ليست قوالب! بل هي الطريقة الأبلغ للتعبيرعن مابداخلنا ويمكن أن تؤدي القوالب دور التنظيم فقط

ناديزدا ڤون ميك
في عام 1876 تلقى تشايكوڤسكي رساله من “ناديزدا ڤون ميك” تُعبر فيها عن إعجابها وتقديرها لأعماله الموسيقيه، ڤون ميك أرمله وأم لسبعة أبناء، لها مكانتها الرفيعه في المجتمع وتَعني الموسيقى لها الشئ الكثير، فما كان من تشايكوڤسكي الا ان يرد لها بشكرها على كلماتها المشجعه. و بعدها توالت الرسائل بينهم. وجد تشايكوڤسكي فيها الصديق الروحي والمثقف و المساند، كان كثيرا ما يراسلها بكل تفاصيل حياته وموسيقاه ويتناقشون حول الموسيقى والفلسفه،، الغريب أنه بالرغم من وجود علاقة نسب بينهم في العائله وارتباطهم بصداقات مشتركه مع العديد من الأصدقاء، الا انهم لم يلتقوا طوال 14 سنه واكتفيا بالمراسله.
في نفس السنه التي تلقى فيها تشايكوڤسكي رساله من ڤون ميك، تلقى رساله أخرى من (انتونينا) إحدى طالباته السابقات التي لايتذكرها تشايكوڤسكي حتى، تعترف فيها بحبها العظيم له و الذي دام اكثر من عشر سنوات صامته، كانت انتونينا بعمر ال28 و لم يقبل قلبها سواه طوال تلك السنين، تشايكوفسكي الذي كان يعكف على كتابة اوبرا (اونيجن) المأخوذه من نص الشاعر بوشكين، والتي تتمثل قصتها عن حب عقيم من تاتيانا ل اونيجن الشاب المتكبر الذي رفض حبها و استهتر برسالتها المشبوبه بالعاطفه، تشايكوڤسكي لم يكن يريد ان يصنع من انتونينا تاتيانا اخرى فعرض عليها الزواج بعد عدة مراسلات بينهم بالرغم من انها لم تحرك قلبه لكنه قرر الزواج بها تقديرا لحبها و عطفا على وضعها و آملا ان يحبها بعد الزواج و لكي يُسكت الشائعات التي كثرت حول كونه مثلي الجنس. كتب رساله لڤون ميك:
.. يبدو و كأن قوه القدر تجرني لهذه الفتاه
هذا القدر الذي حاول تصويره بنفخات من الهورن في افتتاحية سمفونيته الرابعه. لم يستمر الزواج طويلا وكان تأثيره عظيما عليه , لم يكن يستطيع التقرب من تلك الفتاه فوجد نفسه في مأزق لم يعرف الخروج منه الا بمساعدة اخوه و ڤون ميك فأنهيا هذا الزواج الفاشل والذي أدى تشايكوڤسكي بمحاولة الانتحار ورمي نفسه ليلاً في النهر آملا ان يصيبه التهاب رئوي ينهي حياته ,ففقد الوعي لمده يومين إثر تأثره النفسي الشديد.
ڤون ميك المرأه الفاضله ساعدت تشايكوڤسكي في ظرفه و دعمته معنوياً ومالياً فاشترت الحقوق الأدبية لبعض أعماله و تعهدت له بمصروف سنوي يغنيه عن العمل كمدرس في المعهد و يتفرغ للتأليف, تشايكوڤسكي بدوره أهدى لها سمفونيته الرابعه (إحدى أشهر أعماله), و شرح لها فكرة السمفونيه بكل حركاتها في رساله ..
في سنة 1893 كان تشايكوڤسكي منشغل بالزيارات الموسيقيه في أوربا و أثناء ذلك خطرت له فكرة سمفونية جديده “پاثتيك” (مقال مفصل عن سمفونيه پاثتيك)، وقد كتب في أحد رسائله إلى ابن أخيه، الذي أهدى له هذا العمل فيما بعد، أنه كان يذرف الدموع كلما خطرت له احد مقاطعها:
يجب أن أحكي لك كم أنا سعيد بهذا العمل. كنت قد بدأت رحلتي، خطرت لي فكرة لسمفونية جديده، هذه المره تكون ببرنامج* و لكن برنامجاً من النوع الذي يبقى لغزاً عن الجميع، فليُخمنوه ان استطاعوا ذلك. البرنامج يتخلله مشاعر (رؤية) شخصيه. خلال رحلتي كنت كثيراً ما أذرف الدموع حين أؤلفها بعقلي ، الآن و قد عدت لمنزلي و جلست أكتب مسودة العمل، تقدمت فيه بحماسة كبيره وفي أقل من أربعة أيام أنهيت الحركة الأولى، بينما باقي السمفونيه موجز بوضوح في عقلي، سيكون هناك الكثير من الروايات بخصوص القالب لهذا العمل، مثلا ،الحركة الأخيره لن تكون أليچرو عظيم بل ستكون أداچيو لأسباب جديرة بالاعتبار. لن تتخيل السعادة التي أشعر بها عندما أرى أن يومي لم ينتهي بعد فاستطيع ان انجز أكثر..
* البرنامج Programme يقصد فيها النوع من الموسيقى الذي يُعبر عن رساله او قصة مشهوره او شخصيه من خلال الموسيقى, مثل شهرزارد للموسيقي رمسكي ،،
لم يكن يدرك انها ستصبح قداس موته فقد مات بعد اسبوع من أول عرض لها اثر اصابته بالكوليرا, كان فخورا بنفسه لانه انجز هذا العمل الذي حاز على كامل رضاه، ولكن موته المفاجئ والحزن اليائس الذي كان يملأ السمفونيه وبالأخص الحركة الأخيره والألحان الرئيسية التي يغلب عليها طابع النزول؛ اعني السلالم التنازليه التي صنع منها تشايكوڤسكي ألحانا عديده، كل تلك الأمور أثارت الشائعات حول موته وانه أراد إنهاء حياته واستخدم المرض وسيلة ليبدو وكأنه مات ميتة طبيعيه،، ولكن كيف أصيب بالكوليرا ؟
في أحد الأيام الاحتفاليه التاليه للعرض الأول من پاثتيك ذهب تشايكوڤسكي بصحبة اخيه موديست و الموسيقي چلازينوڤ لتناول العشاء في احد المطاعم فطلب تشايكوڤسكي كأساً من الماء في الوقت الذي كان ڤايروس الكوليرا يملأ روسيا، كان من المفترض غَلي الماء و تعقيمه قبل تقديمه و لكن اتضح انه لم يكن مغلياً ففي اليوم التالي استيقظ تشايكوڤسكي وهو يعاني آلاماً فضيعه في معدته لم تفارقه حتى توفي بعد ثلاثة أيام كان يهذي خلالها باسم ڤون ميك.
أمن الممكن أنه كان يعرف أن الكأس لم يُغلى و شربه عن قصد ؟! في نفس اليوم قبل ذهابه للمطعم كان قد التقى مع صديقه الممثل فارلاموڤ وراء كواليس إحدى مسرحيات أوستروڤسكي وكان من بين كلماته:
أشعر أنه يجب علي أن أعيش فترة أطول
كيف يمكن أن ينتج الانسان عملاً عظيماً كهذا العمل وهو في أدنى درجات اليأس؟ كيف يمكن أن يتوافق الافتخار مع اليأس؟
من العجيب ان تشايكوڤسكي اختار قطعة لموتسارت ليقودها (المايسترو الذي يقود عزف الفرقه الموسيقيه) بعد ان قاد العزف الأول لپاثتيك كعرفان و شكر لملهمه الأول والذي انتهت حياته وهو يكتب قداسه على فراش الموت ولم يكمله. ان الشبه عجيب بين النهايتين.
السؤال الذي يَلح علي الآن .. أهو الفن الذي يُحاكي حياة الفنان، أم أن حياة الفنان هي التي تُحاكي فنه ؟


