الوسوم

, ,

 

2543411a

تشايكوڤسكي

السمفونيه السادسه (پاثتيك) على مفتاح B minor – التأليف رقم 74

 كثيرا ماينتقد النقاد هذه السمفونيه من ناحية التزام تشايكوڤسكي بالقالب الموسيقي الصحيح و خصوصا قالب السوناتا الذي دائما مايكون في الحركه الأولى من أي عمل موسيقي كبير، النقاد يتحدثون عن عدم انسجام هذه السمفونيه ككيان واحد و لكنهم يرون ذلك من زاوية ضيقه و أكاديمية للغايه، تشايكوڤسكي كون هذا العمل العظيم من أداة واحده: السلالم! فقط من هذه السلالم ( تنازلية كانت أم تصاعديه ) صنع العديد من الألحان البليغه و أشباه الألحان (موتڤ) ، الانسجام هنا يأتي من الأداه الواحده (السلالم) التي استخدمت في كل الحركات الأربع وجعلت بينهم رابط ضمني لايُفسر بسهوله و أدت وظائف عديده تخدم رؤيته لهذه السمفونية .

قبل البدء في التحليل الموسيقي يجب أن أوضح فكرة قالب السوناتا الذي دائما ما يكوّن الحركة الأولى من أي عمل موسيقي كبير..

 القالب السوناتي يحوي ثلاث أجزاء مرتبة:

جزء عرض الألحان والذي غالباً مايُؤلف فيه لحنين رئيسيين، اللحن الأول (ثيمI) و اللحن الثاني (ثيم II).

ثيم I يُكتب على المفتاح الأول من السلم الموسيقي المُقرر اختياره للقطعة.

ثيم II يُكتب على المفتاح الخامس من نفس السلم الموسيقي.

في هذه السمفونية، السلم المقرر لها هو B minor ؛ إذن اللحن الأول سيكون على مفتاح B minor و اللحن الثاني سيكون على مفتاح F# major

الجزء الثاني تطوير تلك الألحان و الذي يُعمل فيه تنويعات و تغييرات على الألحان.

الجزء الثالث إعادة عرض تلك الألحان في أصلها و يمكن هنا تغيير المفتاح الذي تُعزف عليه فقط.

ثم أخيرا تكون هناك ختمة للحركة (Coda).

الحركة الأولى :

الحزن الكبير الذي يملأ هذه السمفونيه يبدأ من السطور الأولى لها، افتُتحت بصوت عميق وكئيب من آلة الباصون تعزف شبه-لحن (موتڤ) على أخفض درجات الباصون والذي يقابل برد رثائي من مجموعه آلات الڤيولا، يُسمع جزء من هذا الرد الرثائي فيما بعد على الات النفخ و كأنها تصرخ صرخات مضنية ثم تكمل بعد ذلك آلات الڤيولا رثائها قبل أن يعم صمت لحظي. ليبدأ بشكل مفاجئ اللحن الأول (ثيم I) على مفتاح B minor معزوفا على آلات الڤيولا سريعاً و متوتراً و ينتقل بخفه على باقي آلات الاوركسترا،

Tch. 6th Symph. 1st mov 1st theme

وبعد عزف متبادل بين آلات النفخ و الآلات الوتريه لأصداء من اللحن الأول ، تقود آلات النفخ النحاسيه الاوركسترا للذروه الموسيقيه و تزيدها توترا و شده حتى ينتهي ذلك تدريجياً بعزف فردي صاعد من آلات الڤيولا ليُمهد بدخول اللحن الثاني (ثيم II) على مفتاح F# major. يجري على مسامعنا لحنٌ بالغ العذوبه، رومانسي و حالم، يفيض بالمشاعر والانفعالات. تماما، كالشخصيات التي نقرأها في الأدب الروسي. يُعزف هذا اللحن برقّه على الكمنجات و التشيلّو، هنا تشايكوڤسكي يقدم واحد من أروع ألحانه ..

Tch. 6th Symph. 1st mov 2nd theme Tch. 6th Symph. 1st mov 2nd theme part 2

بعد انتهاءه يتبادل الفلوت و الباصون العزف على مقاطع سُلميه تصعد و تنزل فوق خلفية لحن حماسي يُعزف من الوتريات، وبعد ذروة موسيقيه تَعزف آلات النفخ مجتمعة سُلماً تنازلياً يعود باللحن الثاني (ثيم II) أكثر حدة وقوة و يُعزف بنفس المفتاح F# major و لكن بدرجة (أوكتڤ) أعلى من السابق و يُشارك في عزفه باقي آلات الاوركسترا ثم يُعاد مرة اخرى بسرعة هستيريه و بشغف أكبر حتى لا يتبقى منه سوى بضع نوتات تتنازل ببطئ ، ثم تعزف آله الكلارنيت وحيدة ذلك اللحن البديع (ثيم II) عزفا مليئا بالحنين يتبعه الباصون بصوت لا يكاد يسمع و يعزف اخر أربع نوتات من جزء عرض الألحان و يختمه بعدما استفتح هذه الحركة.

و فجأه تنفجر كامل الاوركسترا و تثور غضباً في أكثر اللحظات رعباً بالأعمال الأوركستراليه و بهذا يبدأ جزء تطوير الألحان الذي خصصه تشايكوڤسكي لتطوير اللحن الاول (ثيم I) فقط. بدأ بتطوير سريع و قصير للحن الأول في خضم فوضى عارمه يختلط فيها صرخات آلات النفخ مع العزف المتوتر والغير منتهي من الوتريات ثم يظهر من بينها صوت فاجع لآلة الترومبون تعزف اللحن الروسي التقليدي للقداس الجنائزي، و يستمر التطوير حتى يصل لأكثر اللحظات تراجيدية تتبادل فيها الوتريات و آلة الترومبون حواراً تنازلي يعبر بوضوح عن الإنهيار والسقوط حتى يغرق في الصمت وبذلك ينتهي جزء تطوير الألحان.

فيعود اللحن الثاني (ثيم II) لمجده مشرقا ومملوءاً بالحب ،معزوفاً على الكمنجات بمفتاح آخر؛ D# major، مع عزف تصاعدي (تفاؤل) للسلالم بتكنيك “تريميلو” على الڤيولا و التشيلّو الذي اعطى انطباعا بابتعاد اللحن و كأنه يرحل و يودع ، يتخلله لحن الافتتاحيه (الموتڤ) الذي عُزف من الباصون في بداية الحركة ثم يعزف نفس الموتڤ مره أخرى من الهورن، وبعد انتهاء الكمنجات من إلقاء كلمتها الأخيرة، تعزف الكلارنيت وحيدةً ذلك اللحن (ثيم II) لتلقي هي أيضاً كلمتها الأخيره.

 ثم تأتي الختمه (Coda) مُعلنة بعزف تكنيك ”بيتزيكاتو” (نقر الأوتار) على الوتريات ليأتي دور الهورن و الترومبيت ليعزفوا و كأنهم يغنون لحناً كورالي خريفي يُلقى مرة أخرى من آلات النفخ متحدة وبهذا تختتم الحركة الأولى بجو من الرضا و الهدوء.

الحركة الثانية:

تعطي هذه الحركة ببساطتها و خفتها راحة للمستمع بعد الحركة الأولى الثقيله والمعقدة، تأخذ شكل القالب الثلاثي ( Ternary form) ، أي لحنين رئيسيين ثيم I و ثيم II  يتبادلان الظهور بدون عمل تنوعيات عليهما و تعزف بهذا الترتيب :  I  ثم II ثم I ثم لحن الختمة .

اللحن الأول (ثيم I) ڤالس لطيف و ربيعي من احد ڤالسات تشايكوڤسكي المميزه بطابعها الخاص، اللحن مكتوب ب ريتم 5/4  و ينتهي بعزف سلمي تنازلي بتكنيك ستاكاتو (staccato) (تعزف النوته بضربة سريعه و قصيره ) أعطى ذلك التكنيك شعورا طاغيا بالرقص والمرح، كتبه تشايكوڤسكي على بمفتاح D major و اختار السرعه (tempo) ليكون أليچرو. يُعزف اللحن أول مره على التشيللو مع عزف تكنيك بيتزيكاتو (نقر الأوتار) على باقي الآلات الوتريه ثم ينتقل هذا اللحن الراقص على آلات النفخ و يعود للوتريات بأوركستريشن مختلف..

tchaiko mov 2 theme I . tchaiko mov 2 theme I ..

حتى يصل للحن الثاني المكتوب على المفتاح البديل ل B minor ; D major ، اللحن بُني من السلم التنازلي البسيط معزوف على الكمنجات و الفلوت مع ضربات خفيفه متكرره على التيمباني (الطبل) لنوتة D والذي كوّن ثلاثي (تريو) بين تلك الآلات .

Screen Shot 2015-01-02 at 6.15.00 AM

ثم يُعاد لحن الڤالس الأول معزوفا على الكمنجات و التشيلو مرفقا ب البيتزيكاتو  حتى يتنقل و يعزف على آلات النفخ النحاسيه (ترومبون و ترومبيت)  ثم تسمع أجزاء متفرقة منه على الفلوت و الأوبو و الكلارنيت و الباصون والهورن. حتى تختتم هذه الحركة بالتكنيك المفضل لدى تشايكوڤسكي ؛ بيتزيكاتو على الوتريات مع نغمة أخيره من الهورن والباصون و الكلارنيت للكورد الخامس من السلم.

الحركه الثالثه 

مارش عظيم (موسيقى عسكرية) على سرعة أليچرو مليئ بالحياه، تزدهر فيه الكمنجات بعزف سلالم مندفعه، هنا تشايكوفسكي استخدم وبشكل اساسي المسافات الرابعه لتكوين ألحانه ، من المارش الذي يُسمع أصداء منه لأول مره على آلة الاوبو ثم يعزف بكامله أخيرا على الوتريات ، الى البيتزيكاتو المستخدم على درجه حاده في الكمنجات، كل ذلك يعطي طابعا احتفاليا لايخلو من المرح والافتخار ..

 كثيرا ما توحي هذه الحركة بنهاية السمفونيه ، خصوصا عندما يُعزف الكورال على آلات النفخ النحاسيه و تُضرب آله الصنج الاحتفاليه وكأنه لم يتبق للمؤلف شيء ليكتبه. ولكن ليس بعد ..

الحركه الرابعه :

اختار تشايكوڤسكي إيقاع أداجيو بطيئ لهذه الحركه و خالف القاعده المتعارف عليها في السمفونيات ان تكون الحركه الرابعه أليچرو Allegro  الذي يعني سرعة و خفة اللحن ليُبدد ثقل الحركات الثلاث السابقه وخصوصا الأولى بشكلها السوناتي المعقد، ولكن تشايكوڤسكي هنا حاول اتباع أسلوب بيتهوفن في تركيزه على الحركه الأخيره والتعبير من خلالها عن رسالة مهمه وختام العمل بكودا (ختمه) طويله و ثقيله و التي عكست فيما بعد موت تشايكوڤسكي المُفاجئ بعد اسبوع من العرض الأول للسمفونيه. و لأنه ليس من المعتاد على تشايكوڤسكي هذا الأسلوب فقد فُسر على نيته بالانتحار حتى ان هذه السمفونيه اشتهرت بتسميتها ب نوتة الانتحار ( The suicide Note )

هذه الحركه مكونه من لحنين رئيسيين. الأول لحن تنازلي على مفتاح B Minor يعبر عن الكرب و اليأس والفاجعة. و اللحن الثاني أيضا تنازلي ولكنه يعبر عن الأمل والنُبل و مكتوب على مفتاح D Major المفتاح المشرق المقابل لمفتاح اللحن الأول الحزين وكأنه بهذا يؤدي دور المعزي والمواسي.

اللحن الأول يُعزف من الوتريات جميعها (الكمنجات الأولى ، الكمنجات الثانيه، الفيولات ، التشيللو و الكُنترباص) بحيث تَعزف كل آلة منهم جزء من اللحن و باجتماعهم سويا يكونون لحناً كاملا له طابع تنازلي مع عزف توكيدي (أكسينت) لنوتة واحده مستمرة على آلات النفخ و التي تنمو فتصبح ألحاناً جزئية مساعده (كاونتر ميلودي).

Tch. 6th Symph. 4mov 1st theme

اللحن الأول

 ثم يُعاد نفس اللحن بعد صمت جر وراءه عزف سلمي سريع على الوتريات و لكن بتغيير الآلات التي تعزف النوته التوكيديه لتُعزف على آلة أكثر عمقاً و ظلمه؛ الباصون. ومن هذه الظلمه والصمت يشرق اللحن الثاني مليئا بالأمل و دافئا ، يُعزف على الكمنجات متحده تحت خلفيه عزف متتالي لنوتة E من الهورن الفرنسي

Tch. 6th Symph. 4mov 2nd themeTch. 6th Symph. 4mov 2nd theme 2

يزداد هذا اللحن اشراقا وصعودا باصرار ليقشع هذا الظلام و ينشر النور حتى يصل للسماء و يُكوِّن الذروة الموسيقيه (Climax) ولكنه سرعان ما يسقط و يتخاذل امام العقبات ثم يعيد محاولاته بعناد و قوه والتي سرعان ما تُصمت و تُكبت في كل مره، حتى يتحول هذا اللحن الملئ بالأمل الى يأس قاتم، بعد صمت لحظي تعزف الوتريات سُلما سريعا يجر معه اللحن الأول بنفس حزنه المفجوع ونفس العزف التوكيدي للنوته ولكن هذه المره يُعزف من الهورن الفرنسي، ويتكرر اللحن بشكل سريع و عنيد حتى يصل الى الذورة التي تُنهي هذه المحاولات العقيمه الى غضب و فوضى عارمه تغرق تدريجيا بالصمت الذي يعزف فيه الترمبون والتوبا وحيدين ترنيمة جنائزية مهيبه ، ثم تعزف الوتريات لحن الخاتمه الثقيل الذي يتنقل من الكمنجات مرورا بالڤيولا حتى يصل لأخفض الآلات الوتريه التشيلو و الكنترباص وبهذا تنتهي هذه التراجيديه و تكون بذلك آخر نوتة كتبها تشايكوڤسكي.