الوسوم
الحقيقه انني احترت عند كتابتي لهذه التدوينه بين تركيزي على السويت او الكتابه عن مؤلفها العظيم او عن تلك الآله الساحره ؟
باخ، البحر الموسيقي.. لايمكن الكتابه عن احد اعظم عباقرة الموسيقى بهذه السهوله و بهذه البساطه، أعماله التي وصلت الى مستوى إلهيٍ من الكمال والمثاليه استمرت في تشكيل الموسيقيين منذ ثلاثه قرون وستستمر في ذلك مادامت الموسيقى موجوده. ظهر باخ في عصر الباروك بالرغم من الامكانات البدائيه للآلات الموسيقيه في ذلك الوقت، و وعي المستمعين الفقير في الموسيقى والجهل بالعلم الكائن وراءها، فقد كان الهدف الرئيسي منها هو تقديس الإله من خلال الكنيسه ولم تكن تُعزف الموسيقى للجمهور الا بداخل الكنيسه ويتلقاها المستمعون الزاهدون بالدنيا والذين لايكادون يبذلون جهداً في الانتباه لما تسمعه اذانهم من اعمال عظيمه غيرت تاريخ الموسيقى من بعدها.
عندما يكتب باخ قطعه موسيقيه فهو يكتب للكمال الموسيقي ليُجاري بذلك مجد الإله، لا ينتظر تقديراً او فهماً من الذين يسمعونه، ولا تحدّه بساطة الآلات الموسيقيه في عصره، حتى انه في عمله الأخير The Art of Fugue لم يحدد الآله أو الآلات التي ستعزفها ( الفيوچ: لحن وحيد يتكرر على طبقات الصوت الأربع ليكوّن خطوط متلاحقه تندمج و تتشابك بشكل متناسق) و ترك هذه المهمه للاجيال القادمه من الآلات الموسيقيه الحديثه. حاليا تُعزف هذه الفيوچ على البيانو، اكثر الآلات قدرته على دمج اصوات متعدده بمداها الكامل. واحيانا تُعزف على الوتريات. ولكن حينما ينوي باخ الكتابة على آلة محدده فهو يستخرج منها كل الامكانات المستطاعه لترضي الكمال الذي يتوق اليه. هنا استطيع عن اتحدث عن التشيلّو سويت..
اللوحه للرسام Philip Mercier تصوّر أمير ويلز “فريدرك” وهو يعزف التشيلو برفقة اخواته الثلاث. رسمت عام 1733.
التشيلّو آلة دافئه، عميقه و ربما استطيع أن اقول انها حكيمه، تماما كروح باخ. و الأحن من هذا كله انها اُعتبرت أقرب الآلات لصوت الانسان. لها اربع أوتار و يجمع مداها الصوتي طبقات الأصوات الأساسيه، من السوبرانو حتى البيز، و غالبا ماتتبع تقنيات العزف الخاصه بالوتريات. لا عجب ان باخ اختارها ليكتب لها السويت السته. في حين اعتبرت هذه الآله مكمله للوتريات و مخصصه لملئ الفراغ في الأعمال الاوركستراليه و غير قادره على عزف موسيقى متكامله باللحن والهارموني معاً، اي انها آله مونوفونيه ( وحيدة البُعد الموسيقي) تعزف خطاً واحدا فقط. و لكن باخ لم يقلل من قدرتها و كتب لها في هذه السويت موسيقى بولوفونيه ( متعددة الأصوات ) بشكل ضمني و في خط واحد! لاتظهر تلك الموسيقى البولوفونيه الا عند الاستماع بحيث جعل بعض النغمات تظهر و تنطبع في ذهن المستمع اكثر من نغمات اخرى لتشكل بذلك كوردات (هارموني) توازن اللحن و تكمله. و لكن حينما يغفل العازف و المستمع عن إدراك تلك الابعاد الضمنيه في بعض أعمال باخ فإنه من المحتمل ضياع الميزه الأساسيه في موسيقاه وبالتالي التقليل من قيمتها. باخ يعزف الكمان و الاورچن بمهاره و لم يعزف التشيلو و لكنه عندما كتب هذه السويت كتبها كمن يعزف الاله، كانت كل الالحان ممكنه العزف على التشيلو الباروكي الذي كان اصغر حجما عن التشيلو الحالي و كانت أوتاره خمسة بدلا عن الأربعه الحاليه، عوضاً عن الفرق الأساسي؛ الماده التي صُنع منها الوتر كانت من أمعاء الأغنام و الآن يُصنع من مواد معدنية. والقوس (الأداه التي تعزف على الأوتار) الذي تختلف تقنيات عزفه عن القوس الحالي.
للأسف دُفنت تلك السويت منذ كتابتها و ظلت مهمله من القرن الثامن عشر باعتبارها ليست أكثر من تمارين للعازف وانها لم تكن صالحه لمتعة الجمهور حتى اكتشفها عازف التشيلّو المشهور “پابلو كازالز” في مكتبه موسيقيه و مسماه باسم مُظلل ( ايتيود سويت) و ظل يعزفها و يدرسها صباح كل يوم حتى تجرأ بعزفها امام الجمهور بعد اثنتي عشرة سنه، ولم يقبل بتسجيلها وتقديمها بشكل يليق بها الا عند تجاوزه عمر الخمسين..
“ فجأه اقتربت من حزمة من الصفحات، متداعيه وألوانها باهته مع العمر، كانت السويت من يوهان سباستيان باخ – للتشيلو فقط !…. أنا لم اسمع أبداً بوجود هذه السويت؛ لم يسمع بها أحد، حتى أساتذتي لم يذكروها لي أبداً… رجعت للبيت مسرعاً، ممسكاً بالسويت و كأنها تاج من الجواهر، و حالما دخلت غرفتي تمعنت فيها. قرأتها و عدت قراءتها. كنت بعمر الثالثة عشر في ذلك الوقت، و لكن ذهولي بما اكتشفت استمر في النمو طوال السنوات الثمانون التاليه. هذه السويتز فتحت عالما جديدا كليا. بدأت بعزفها بحماس لايوصف، أصبحت أعز موسيقى لدي. درستها و عملت عليها كل يوم في السنوات الاثنى عشر التاليه.“
بعد أن انتشر تسجيله للسويت سنه 1939 توالت التسجيلات و كثرت الدراسات حولها و اصبحت الآن تجاري شهرة أحد أعمال بيتهوفن وخصوصا البريلود في السويت الأولى :
كثير من عازفي التشيلو هم أشخاص استثنائيون، ربما يعود ذلك لتأثير الآله.. پابلو كازالز، الانسان بكل طهاره، شهرته لا تُنسب فقط لاكتشافه السويت و لكن الطريقه التي يعزف بها بسهوله و طبيعيه وكأن التشيلّو أحد اعضاء جسمه، وقيادته المميزه للاوركسترا التي تعبر عن مفهومه العام للموسيقى والحياه وأهمية البساطه والتوجه نحو الطبيعه ونبذ كل ماهو مصطنع و كاذب، و دعوته للسلام في كل مناسبه كما علمته أمه بالرغم من ولادته وسط الحروب.. هنا أحد خُطبه :
“ ماذا نُعلم أبناءنا ؟ نعلمهم أن اثنين و اثنين يكونون أربعه، وأن باريس عاصمة فرنسا. متى سنعلمهم مَن يكونون ؟ يجب أن نقول لكل منهم: هل تعلم من أنت ؟ أنت معجزه. آنت استثنائي. في كل السنين التي مرت، لم يُخلق طفل مثلك، بمثل قدميك، يديك، اصابعك الماهره، والطريقة التي تمشي فيها. ربما ستكون شكسبير، مايكل انجلو أو بيتهوڤن. لديك القدرة ان تكون أي شئ. نعم أنت معجزه. و عندما تكبر، هل ستؤذي شخصاً معجزه آخر؟ يجب أن تعمل، يجب علينا جميعا أن نعمل لنجعل هذا العالم جديرٌ بأن يعيش فيه أطفاله.”
في الفيديو كازالز يعزف أغنية من تأليفه في حفل منحه وسام السلام للأمم المتحدة تقديرا لموقفه من أجل السلام والعدالة والحرية وهو بعمر 94..
السويت الباروكي عادة مايحوي مجموعة من الرقصات الأوربيه تشتهر فيها كل بلده بحيث تستعرض كل رقصة بصوتها الخاص الثقافه واللغة والتاريخ التي خرجت منه، وتُعطي انطباعاً بشكل ما عن شخصيه الفرد في ذلك البلد. تُعبر هذه الرقصات بمختلف ألوانها عن البهجه، التراجيديه، الدراما والشاعريه و تلامس الروح قبل القلب..
– الألماند Allemande ؛ رقصة ألمانيه تكتب على الريثم الاعتيادي 4\4 ، وصفها أحد طلاب باخ بأنها “ صورة للروح الراضية، التي تتمتع بالهدوء و التنظيم”.
ألماند من السويت الأولى:
– الكُورانت Courante ؛ رقصة الارستقراطيين الفرنسيين، هي المفضله للملك لويس الرابع عشر .غالبا ماتكون على ريثم 3\4 ، و توصف بأنها مشبعه بالامل الحلو، و فيها من التوق و الابتهاج في اللحن.
كُورانت من السويت الأولى:
– السراباند Sarabande ؛ رقصة أسبانيه تُرقص ببطئ على الريثم 3\4 .شاعريه بدرجة أولى، وتمثّل نقطة راحه و تأمل من بين قطع السويت. باخ استغل سرعتها البطيئه ليملأها بوقفات و كوردات صعبه العزف في السرعه العاليه.
سراباند من السويت الأولى:
– المِنيوَت Minuet ؛ رقصة إيطاليه سميت بذلك لانها تصف الخطوه الصغيره التي يخطوها الراقص. أحيانا تكون على المفتاح السعيد (major) او الحزين (minor). و يغلب عليها طابع الحركه ولكنها ليست سريعه، تكتب أيضاً على الريثم 3\4.
منيوت من السويت الأولى:
– البوري Bourrée ؛ رقصة الفلاحين الفرنسيين، غنيه باللحن و مُبهجه، سريعه ولكنها ليست بالمستعجله و فيها لزمة توكيديه عند كل إيقاع، و دائما ماتكون على الريثم الاعتيادي 4\4.
بوري من السويت الرابعة:
– الچاڤوتي Gavotte ؛ رقصة فرنسيه شعبيه، معروف عن هذه الرقصه انها حيويه ومفعمه بالحياه، مهتاجه وغير سلسه. تُكتب على الريثم 2\2.
چاڤوتي من السويت السادسه:
– الجيچ Gigue ؛ رقصة أصولها ايرلنديه بريطانيه، اشتهرت في عصر الباروك ويعود معناها لكلمة (وَثب فرحاً). حيويه و فيها لزمة توكيديه عند الإيقاع الثالث. يختلف الريثم الذي تُكتب عليه ولكنه غالبا مايكون 6\8.
جيچ من السويت الرابعة:
تتكون السويت الواحده من خمس رقصات تكتب جميعها على نفس المفتاح و نفس السلم و تبدأ بالمفتاح الأول ثم الخامس و تنتهي بالأول، كل رقصه كتبت بجزئين و كل جزء يعاد ليسمح للعازف بالتعبير عنها بشكل مختلف عن العزف الاول فيما عدا البريلود التي تُفتتح فيها السويت لا تُعاد ألحانها. البريلود؛ مقدمه حُره قبل البدء في العزف الحقيقي بحيث تقدم الفكرة الاولى عن المفتاح الذي ستعزف فيه و عن الشخصيه الاساسيه لهذه السويت، تتمتع بحريه في الشكل بحيث لايوجد ريثم معين يجب ان يُتبع وغالباً مايكون تأثيرها آكبر على المستمع، ومن الممكن ان تكون قطعه مستقله عن العمل بأكمله.
بريلود من السويت الثانية:
عند الاستماع للسويت نجد اختلافا واضحا بين العازفين، اختلافا في بعض النوتات الأساسيه في اللحن بسبب عدم وجود النسخه الأصليه من خط باخ و النسخه المتبقيه هي من كتابة آنا ماچدالينا (زوجة باخ الثانيه) و لوحظ فيها بعض الأخطاء لهذا تعددت الدراسات والبحوث عن السويت و أُصدرت الكثير من النسخ تحرياً للنسخه الأصح والتي يُعتقد انها الأقرب لما كان ينويه باخ عند كتابته للسويت. وايضا يعود الاختلاف بين العازفين الى انه في عصر الباروك لم يكن متعارف كتابة الداينمك* على العمل الموسيقي بشكل واضح، لم يظهر الاهتمام في كتابته الا في عصر الكلاسيك لهذا نجد بعض النوتات معزوفة بقوه في حين نفس النوتات عُزفت من عازف اخر بصوت عادي او هادئ. و هنالك أيضا توجهات او مدارس للعزف وينطبق ذلك على اي آلة موسيقيه، ربما استطيع ان احدد سمتين أساسيتين من بين تلك التوجهات ؛ الأولى محاوله العازف ابراز شاعريه القطعه الموسيقيه والتعبير من خلالها عن مشاعره الخاصه. و الأخرى هي توجه العازف للصحه والدقه العلميه في القطعه الموسيقيه و النظر في سجلها التاريخي. بالطبع السمتين مهمتين و لا يجب ان يُهملوا و لكن احيانا تطغى إحداها على الأخرى .
* المقصود بالداينمك هو درجة علو او انخفاض صوت العزف في مقاطع معينه ليسمح بتباين التعبير وابراز بعض الجمل الموسيقيه او اخفاءها؛ علامه فورتيه f اي علو صوت العزف، پيانو p اي انخفاضه ؛ كذلك الارتفاع التصاعدي لصوت الجمله الموسيقيه او غالبا السلم كريشِندو (crescendo) ؛ وايضا الانخفاض التنازلي في الجمله ديمنويندو (diminuendo)
حاليا تُعزف هذه السويت في المناسبات الرسميه والحزينه أحيانا، صوت التشيلّو له دور في ذلك، بالرغم من ان السويت مكوّن من رقصات، ولكن ليكسر عنها هذه الصوره الكئيبه قام عازف التشيلّو الروسي ‘روستروبوفيتش’ بعزف مقاطع منها عند جدار برلين احتفالا بسقوطه.



مشكور اخي استمتعت جدا بالقراءة ولكن في بعض الفيديوهات ما اشتغلت عم يكتبولي انو انحظرت … يعطيك العافية يارب وبتمنى ضل شوف مقالات من هاد النوع ..