“ ارتحل صامتاً، ومَرحي زهيد
واتنهد مُتسائلاً بإلحاح، إلى أين ؟ “

Franz Schubert, by Josef Teltscher
–
ذلك التساؤل المضني والبحث الدائم عن الإنتماء في أغنية فرانز شوبرت D.493 يدلنا على أحد جوانب شخصيته الحالمه.
شوبرت الذي كثيراً مايجدونه أصدقاءه يتجوّل منفرداً، مُخفياً يديه وراء ظهره ويلعب بأصابعه كمن يعزف البيانو، وعينيه مُنخفضتان للأرض. غارق تماماً بعوالمه الموسيقيه الخاصه.
..فأنا لم آتي إلى هذا العالم لهدفٍ آخر سوى أن أكتب الموسيقى.
يرتحل بفكره وفنه ليَعيش و يُعيّش المستمع تجارب مختلفه كالتي يعيشها الرّحالة المتجولون، فبالاستماع إلى شوبرت تمر علينا مشاهد متعدده للحياة المتجدده من حولنا، مشاهد طبيعيه خلابه ينقلها لنا شوبرت كصورة حيوية ومتفاعله. جعل الشجرة، النجمه، والنهر يتحدثون إليه، وصوّر لنا سمك السلمون وهو يسبح في النهر الصافي. وبأعمال أخرى يُرينا حقيقة الانسان ويمزجنا بتفاعلاته العاطفيه؛ بفرحه وحزنه، بطمأنينته وخوفه من الموت. مستعينا بذلك بالابيات الشعريه الجميله التي كتبها أشهر شعراء عصره؛ مولر، چوته وشيلر. فأبدع شوبرت في كتابة الأغنية الألمانيه التي تسمى الليدر(Lieder) وكتب عدداً ضخما منها يزيد عن ٦٠٠ ليدر وبذلك كان له الدور الكبير في تطوير الأغنيه وإعادة خلقها من جديد لتصبح من فن بسيط وغير مُقدر إلى خط جديد من الفنون الموسيقيه مارسه من بعده العديد من الموسيقيين القديرين، وربما أحد أكبر وأجمل الأمثله في ذلك هو عمله الغنائي الأخير “رحلة الشتاء” الذي خصصت له تدوينه منفرده وترجمت قصائدها.
رغم نشوءه في عائلة موسيقية متعلمه، فأبوه علمه عزف الكمان وأخوه علمه البيانو حتى أصبح بعد ما كبر معلماً للموسيقى في مدرسة أبيه، برغم تشجيعهم له بعزف أولى أعماله التي ألفها، إلا أن شوبرت لم يكن ينتمي إليهم ولا إلى العالم المحيط به ولم يحظى بعلاقة حب ناجحه و دائمه، لم يكن مستقراً طوال حياته القصيره وكان ذلك ظاهراً في أعماله التي يتخللها لحظات من عدم الاستقرار النغمي ( هارمونيا) وفي أحيان أخرى يكون استقراراً خادعاً يزول سريعاً، كان شوبرت يحاول العيش بخيالاته تلك مع أصدقاءه عندما يجتمعون في “ الشوبرتيارد” نسبة إلى شوبرت: التجمع الذي كوّنه شوبرت ليعيش وأصحابه عالماً منعزلاً بالموسيقى ( موسيقاه خصوصاً) وبالفن والشعر والفكر المتحرر من أية قيود، كان التجمع يُعقد في بيت صديقه الارستقراطي المقرب شباون، ويضم مجموعة من الشعراء والكتّاب كصديقه الشاعر مايرهوفر الذي كتب عدة أغانٍ لشوبرت والأديب والكاتب المسرحي جريلبارتسر، والعديد من الرسامين مثل كوبلڤيزر و شڤنت وبعض الارستقراطيين، وصديقه المغني الأوبرالي ڤوچل الذي غنى كثير من أعمال شوبرت، بالإضافه إلى شوبر صديقه الفاسق. يدور في الشوبرتيارد نقاشات فكريه وفلسفيه، ويستعرض الفنانون أعمالهم لأصدقاءهم المقربين، هذا النوع من التجمعات يساعد في خلق جو حميمي يسهل فيه مشاركة الفنون المتنوعه وتبادل الخبرات ويوفر فرصة للنقد المعنوي للعمل الموسيقي من مختلف التصورات الفنيه من غير المتخصصين بالموسيقى، في حين أن النقد الموسيقي من قِبل المتخصصين يكون في كثير من الأحيان مقتصراً على قواعد التأليف الموسيقي ومدى إلتزام المؤلف بها من دون الاهتمام بالمعنى أو الرساله التي يريد المؤلف إيصالها للمستمع.

Schubertiade by Julius Schmid
مَن سيعوضنا بساعة واحده من تلك الأوقات السعيده؟ تلك الحميميه التي جمعتنا وتبادل فيها كل منا وبخجلٍ باكورة فنه، مُنتظراً بتوجس، حكمهم الصادق والمحب، ذلك الوقت الذي كنا فيه نمجد بعضنا الآخر ونشجعه، وتُلهمنا غايتنا المُوحدَه للجمال..
تلك الأمسيات ساعدت قليلاً في شهرة شوبرت بڤيينا، الا أنه لم يستطع نشر إلا قليل جدا من أعماله، برغم محاولات أصدقاءه مع الناشرين، لأن شوبرت لم يكن معروفاً في المجتمع الموسيقي هناك، ويعود ذلك لعدة أسباب منها؛ ضعف موهبته في الإبهار بالعزف، حيث أنه لم يكن يملك مهارات عزف عاليه مع أنه كتب أعمالاً لم يكن باستطاعته عزفها، ولكن السائد آنذاك أن يُقدّر الموسيقي من موهبته في الارتجال والعزف، كموتسارت الذي حاز على شهره عظيمه منذ صغره بسبب انه كان يبهر الجمهور بالعزف حاجباً عينيه. واعتقد ان هنالك سبب آخر لعدم شهرته؛ شمس بيتهوفن الطاغيه حجبته. فشوبرت كان معاصراً لبيتهوفن، بل كانوا في نفس المدينه، والعجيب أن شوبرت لم يلتقيه اطلاقا وكان يقف قريباً من باب بيته يحاول الدخول فيتراجع رهبةً، حتى تمكن مرة من ارسال بعض أغنياته لبيتهوڤن ليجد انبهاره ببراعة شوبرت في كتابة الليدر. وهنالك سبب محتمل آخر في عدم شهرته يعود إلى شخصية شوبرت نفسه، حيث أنه لم يكن واعياً أو فقد الإهتمام في التسويق لفنه، فمثلاً لم يكن يفكر بإقامة حفل عام إلا بعد إصرار وترتيب من قِبل أصدقاءه بهدف تحسين وضع شوبرت المالي.
برغم أن حياة شوبرت كانت قصيرة، الا انه كتب كماً كبيراً من الأعمال، وهو في عمره 18 تفجر لديه الإبداع بشكل مذهل، في سنة واحده كتب مايقارب 230 عمل! موزعة بين أغانٍ قصيره وأعمال كبيره ( سمفونيات، أوبرات، عدد من القداس الجنائزي، ورباعيات وتريات) وهو مازال يافعاً في عمر 18، قدّر بعض الباحثين ذلك الانتاج بمعدل كتابة 60 مازورة موسيقية يومياً. الرقم هذا هائل لناسخٍ للنوته لا يحتاج وقتاً للتفكير، فكيف بمن يؤلف 60 مازورة! التأليف الموسيقي يتطلب التفكير بأمور عده (صياغة اللحن الأساسي الذي كانت موهبته جيدة فيها، عوضاً عن الهارموني؛ العلم العميق والمتشعب، اختيار الأصوات والآلات المناسبه لكل نوته في القطعه، بالإضافه إلى جمع كل تلك العناصر و نظمها في قالب موسيقي متعارف عليه). ربما يعود ذلك إلى التزامه بروتين للكتابه في تلك الفتره، يجلس على مكتبه منذ السادسة صباحاً و يبدأ بالتأليف حتى الواحده ظهراً.

حين كان يدرس الغناء في الكنيسة التقى بفتاه اسمها تريزا، افتتن بها لا لجمالها أو حسن مظهرها، بل بصوتها السوبرانو الشجي. كتب لصوتها عدة أغانٍ و أعطاها الدور الرئيسي في القداس الجنائزي الذي كتبه للكنيسه، ولكن القصة لم تكتمل كما يقول شوبرت عندما سأله أحد أصدقاءه :
أحببت فتاه بشكل كبير وقابلتني هي بنفس الحب. كانت ابنة أحد المعلمين، أصغر مني سناً، و كانت تغني غناءً جميلاً و بإحساس عظيم. لم تكن جميلة تماماً وكان على وجهها آثار للبثور. ولكن كانت تملك قلباً. قلباً من ذهب. طوال ثلاث سنوات كانت تتمنى أن أتزوجها؛ ولكني لم أستطع أن أُوفقَ الظروف التي تجمعنا سوياً. وبعد ذلك تزوجت هي برجل آخر، وذلك آلمني كثيراً. لا أزال أحبها، وحتى الآن لم يُبدل أحد مكانتها في قلبي. ولكن من الواضح أنها لم تكن من نصيبي.
في نفس العام 1814م كتب شوبرت أغنيه من مسرحية فاوست لچوته، الأغنيه من قصيدة المشهد الخامس عشر من المسرحية للفتاه غريتشن التي تصفُ لهفتها وعشقها للبطل فاوست وهي تعمل على غزل الصوف باستخدام عجلة دواره، شوبرت عند كتابته للأغنيه حاكى عملية الغزل بالبيانو المرافق للصوت الغنائي بجزئيه؛ 1. كان يحاكي دوران العجله بسلسة متكرره من نوتات الدبل كروش السريعة وغيّر من سرعتها في بعض المقاطع مما أعطى انطباعاً واضحاً بالدوران والحركه لدى المستمع، وعند وصول كلمات القصيده إلى : “ آه، وقُبلَته! “ تتوقف غريتشن عن تدوير العجلة من فرط العاطفه في تلك اللحظه، ثم يتوقف الغناء وترجع نفس السلسله ولكن ببطء وتَردُد وكأنه يصور غريتشن وهي تحاول استعادة نفسها والتركيز على نظم خيوط الصوف. 2. حاكى فيه حركة القدم عند تحريكها للعجله كل مره.

كيف فهم شوبرت عاطفة الانثى و هو لايزال بعمر المراهقه حين كتب هذه الأغنية؟ ربما لأنه كان قارئاً جيداً للأعمال الأدبية في عصره. المؤسف أنه حاول إرسال أغنيته هذه للشاعر الذي كتبها وأرفق معها أغانٍ أخرى مكتوبة من قصائده، لكن چوته لم يكن مشجعاً له وأعاد الرسائل غير مفتوحة، بالرغم من شغف شوبرت وتقديره لأعماله فقد كتب أكثر أغانيه من أشعار چوته.
الأغنيه مترجمة للعربيه:
–
شوبرت لم يكن يكتب مذكرات خاصة به، ولكن قد وُجدت ورقه له معنونة ب “حلمي” استنتج الباحثون أنها أقرب إلى ان تكون قصة من نسج خياله فبعض أحداثها لم تكن حقيقية تماماً، ولكنها بالتأكيد تعطينا تصوراً واضحاً عن طبيعة علاقة شوبرت مع عائلته ومدى توقه للترحال. المذكره التي كُتبت عام 1822م كان نصها:
كنت أخاً للعديد من الأخوة والأخوات، أبي وأمي كانوا عطوفين، وكنت أكرس نفسي لهم بحب. يوماً ما أخذنا أبي إلى عيد ديني، أخوتي كانوا مرحين جداً هناك، وأما أنا فقد كان ظاهر عليّ الحزن، فاقترب مني والدي وطلب مني تذوق الأطباق الشهيه، ولكنني لم أرغب بذلك، فغضب والدي وابعدني من أمامه. أدرت أنا خُطاي وقلبي مليئ بحب لامتناهٍ للذين يزدرونني. رحلت إلى مناطق بعيده، لسنوات وسنوات شعرت أنني ممزق بين أعظم حزن وأكبر حب. حتى وصلتني أخبار وفاة أمي، فاسرعت لأراها، و والدي الذي أصبح مكسوراً من الحزن لم يمانع عودتي، رأيت جثمانها وانسابت الدموع من عيني، رأيتها مستلقية هناك كمثل الأيام الماضية السعيده، ثم تبعنا جثمناها بحزن حتى دُفن في عمق الأرض.
بقيت في المنزل منذ ذلك الوقت، ومرةً اصطحبني والدي لحديقته المفضله، وسألني إن كنت قد أحببتها، ولكنها أشعرتني بالوحشه وكنت متوجساً من أن أفصح عن رأيي، فسألني مره أخرى وبوجهٍ محمر غضباً “هل أعجبتك الحديقه؟” نفيت ذلك وأنا أرتجف، فضربني والدي وهربت، و مرة أخرى أدرت خطاي وبقلب مليئ بحب لامتناهٍ للذين يزدرونني، ومرة أخرى رحلت بعيداً، لسنوات وسنوات غنيت أغانٍ، وحين كنت أغني حُباً يتحول غنائي ألماً، وإن غنيت ألماً يتحول غنائي حُباً، هكذا كنت ممزقاً بين الحب والألم.
ويوماً ما علمت أن عذراء طيبه قد توفيت للتو، فاجتمع الناس وكونوا دائرة حولها وتبعوا جثمانها جميعاً صغاراً وكباراً كما لو أنها بركة خالده، وأصبحوا يهمسون بهدوء كأنهم لايودون إيقاظها. نفحات من سكينة سماويه قد أُغدقت على الصغار من قبر العذراء وكأنها قبسات مباركه يُصدر تلألئها صوتاً رقيقاً. أنا أيضاً تقت بشده للذهاب هناك، يقولون أن المعجزه وحدها ستُدخلك في تلك الدائره، ومع ذلك تقدمت باتجاه القبر بخطواتٍ بطيئه ونظراتٍ منخفضه مملوءاً بالإخلاص والإيمان الراسخ، وقبل أن أعي مايحدث وجدت نفسي بداخل الدائره. صوت أخاذ يصدر منها بشكل عجيب وكأن كل البركات الخالده قد اجتمعت في لحظة واحده. ورأيت والدي أيضاً، راضٍ ومُحب، فأخذني بيديه وبكى، ولكن ليس أكثر مما بكيت.
ذلك المشهد الملائكي لجنازة الفتاة الصغيره يذكرنا بأغنية قد كتبها شوبرت سابقاً: أغنية “الموت والعذراء” من أحد أشعار ماتيوس كلاوديوس، عن فتاة زارها الموت وهي لاتزال صغيرة وعذراء:
كان موقف موت العذراء الذي تحدث عنه شوبرت في حلمه لايزال راسخاً في ذهنه خصوصا بعد معرفته بمرضه وموته المحتوم، فكتب رباعية الوتريات رقم 14 بناء على ألحان تلك الأغنيه، الفكره الرئيسيه في الأغنيه والرباعيه هو التباين الواضح بين الحياة والموت، بين الحده بالصوت وغلظته، بين الألحان المشرقه والكئيبه، وبين سرعة ونشاط الحياه وخمود وبطئ الموت. الرباعية يعزفها أربع عازفين (2 كمان، ڤيولا، تشيلو) ومكونة من أربع حركات:
الحركة الأولى:
مكتوبة بقالب السوناتا وبسرعة أليچرو(سريع جدا) للتيمبو مما يجعل المستمع يشعر بالحركه المتوتره التي تشبه الهروب، تبدأ المقدمه بعزف متحد ومفاجئ لنوته واحده D، ثم يليها موتڤ لنوتات ثلاثيه (استخدم شوبرت هذا الموتف الثلاثي كثيرا ليملأ الحركة بأكملها به)، ثم يتغير فجأه مود الشده الى رقة حين يُعزف لحن كورالي وتعبيري، هنا يحدث أول تباين من التباينات المتعدده في هذا العمل.
حتى يدخل اللحن الأساسي (على مفتاح F) بعد صمت وجيز معزوفا على الڤيولا وكأنه استكمال للحن الكورال الأول في المقدمه ثم ينتقل ليعزف بشكل أساسي على الكمان الأول مصحوباً بعزف للموتڤ الثلاثي بشكل متواتر من باقي الآلات.

–
اللحن الأساسي الثاني مختلف بطبيعته ولا يميل لحدة المزاج بل بالأريحية و يوحي بالسخرية، ربما كان شوبرت يقصد به سخرية الموت:

ثم تنتقل القطعه إلى قسم تطوير الألحان و يعبر عن الانتقال بسلسة من العزف المنفرد على الكمان الأول سريعاً و متحولاً بين مفتاح وآخر، حتى وصل إلى تطوير اللحن الأساسي الثاني ثم الأول، كان يحوي بشكل عام تغيرات مفاجئه وسريعه بين البيانيسمو (انخفاض شديد للصوت) و بين الفورتيسمو (ارتفاع شديد للصوت)، ثم بعد ذلك يصل إلى مرحلة إعادة اللحنين الأساسيين نفسهما كما عُزفوا أول مره. وعند الاقتراب من خاتمة هذه الحركة نسمع صوت الموت المهيمن بنوتة D المنخفضه وبمحاولة أخيره من العذراء للافلات من قبضة الموت:
تصوّر الكودا (الختمه) الانفاس الأخيرة للعذراء بصوتها الحاد يليها صوت الموت بنوتات الموتڤ الثلاثي معزوفة على أخفض صوت وكأنه بذلك يعبر عن انتصاره.

—
الحركة الثانية:
كتب شوبرت هذه الحركة الأكثر شهرة بسرعة أندانتيه (بطيء) للتيمبو وجعلها بقالب لحن أساسي وخمسة تنوعيات عليه، وكل جزء من التنويعات يُعاد عزفه مره اخرى، واختار لحنها الأساسي المكتوب بمفتاح G ماينر ليكون هو نفسه اللحن المهيب لقدوم الموت في الكوردات الأولى لأغنيته الموت والعذراء، يستطيع المستمع تمييزه بشكل واضح:

–
التنويعه الأولى
بصوت منخفض (بيانيسمو pp) يعزف الكمان الأول اللحن بخفة وبشكل متقطع فوق خلفيه عزف للموتڤ الثلاثي من الكمان الثاني والڤيولا، والتشيلو يعزف بتكنيك البتزيكاتو (نقر الوتر بالأصابع)

–
التنويعه الثانية:
يترأسها التشيلو ويعزف اللحن بشكل غنائي بديع مصحوباً بعزف من الكمان الأول والثاني ولكن بنوتات أسرع مع ارتفاع الصوت قليلاً ليصبح (بيانو p)

–
التنويعه الثالثه:
هذه المره تبدأ الآلات جميعها بعزف اللحن بقوة عاصفة وبصوت عالي جداً (فورتيسمو ff)، ثم تتبدل الأدوار فيعزف الكمان وحيدا اللحن متوسلا بضعفه، يتضح هنا التباين في هذه التنويعه بين القوة والاتحاد بالعزف وبين الضعف والانفراد، حتى تصل الى مرحلة من الشد والجذب بين الكمان والتشيلو

–
التنويعة الرابعه:
يتغير فيها المفتاح الى الميجر السعيد ويعود الصوت إلى بيانيسمو منخفض. ويعزف الكمان لحناً رقيقاً يوحي بالسلام وكأنه تصالح مع الموت

–
التنويعه الأخيره:
لم يستمر الميجر طويلا فبهذه التنوعيه الأخيره أعاد شوبرت مفتاح الماينر السوداوي وصبغها بطابع الختام وذلك بعزف من الكمان الثاني والڤيولا لجزء من اللحن الأصلي ولكنه عزف على نوتة ♭B الثالثه في سلم G، اختيار النوته الثالثه اعطى اللحن بُعداً مختلفاً بالإضافه إلى علو لحن الكمان الأول المنفرد واستمرار التشيلو المنخفض بعزف الموتڤ الثلاثي، هكذا يعلو مستوى الصوت تدريجيا مصورا بهذا صعود الروح للسماء.

وبختام التنويعات ينخفض الصوت لأخفض نقطه معبراً بذلك عن صمت الموت، ويعود السكون بختام القطعه بسلام على مفتاح G ميجر.
—
على مدى العشر سنين الأخيره من حياة شوبرت، كان هناك تغير ما في حماسه ونشاطه وتغيرت عاداته وطريقته في الاستمتاع في لياليه، تلك الحياة التي توصف بالبوهيميه أدت إلى إصابته بالسفلس. كان وقتها منشغلاً بكتابة سمفونيته الثامنه وتوقف عن إكمالها حين عَلم بمرضه (اُسميت بالسمفونيه الناقصة)، فتوجه مباشرة لكتابة فانتزي للبيانو: فانتزي الرحّاله رقم D. 760 المستوحى من أغنيته (الرحّاله) التي أرفقتها في أول التدوينه، الأغنيه بطبيعتها هادئه وتأمليه بعكس الفانتزي المؤلفه منها والتي غلب عليها الغضب وسوداوية المزاج، ثم إن عزفها يتطلب مهارة عاليه، شوبرت نفسه لم يكن قادراً على عزفها وكتب ملاحظه عندها “ فليعزفها الشيطان ! “
شوبرت قاوم المرض لعدة سنوات و مازال يكتب و ينضج بنوعية الأعمال التي ينتجها، وفي عام 1824 كتب رسالة لصديقه كوبلڤيزر، كان نصها:
..باختصار أشعر بأنني أتعس وأكثر المخلوقات حزناً على هذه الأرض، تخيل رجلاً خسر صحته للأبد، وبيأسه هذا يجعل الأمور تصبح أسوأ بدلاً من أفضل. تخيل رجلاً، سيفنى وأمنياته لم تتحقق بعد. رجلٌ لا يقدم له الحب والصداقه سوى المزيد من الألم. وحماسه لكل الأشياء الجميله مُهدد بالتلاشي، وأسأل نفسك: أليس كائناً حزيناً وتعيساً ؟ – * لقد فقدت سلامي، قلبي أصبح ثقيلاً، لن أجد السلام، لن أجده بعد الآن أبداً- أغني هذه الأبيات كل يوم. في كل ليلة عندما أخلد للنوم اتمنى أن لا أصحو مجدداً، وكل صباح يُذكرني بحزن الأمس
*اقتبس شوبرت قصيدة جريتشين من فاوست
وفي الشهور الأخيره من حياته كتب ثلاث سوناتات للبيانو توازن أهميتها نصف ماكتب من أعمال أخرى، إحداها كانت السوناتا D.959 مكتوبة على مفتاح A major. أذكر قبل سنة سألني أحد الأصدقاء إن كنت أعرف فرانز شوبرت فأجبت بجهل فادح: -لا، ليس تماماً- أدركت حجم فداحتي تلك عندما استمعت صدفة لهذه السوناتا التي عشت فيها تجربة سماعيه لا مثيل لها، و رغبت بشدة عزفها على البيانو برغم مهارتي البسيطه، في الواقع أنها كانت الدافع الأقوى لي للبحث عن شوبرت واكتشافه.. سأختصر بالحديث عن الحركة الثانيه منها فقط:
كُتبت بقالب ثنائي، أ ب أَ (لحن أ، ثم لحن ب، ثم يعود اللحن أ) و دوّن شوبرت سرعة العزف ب أندانتينو (سرعة بطيئه) وكتبها على مفتاح F# ماينر، ابتدأ الجزء “أ” مباشرة من دون مقدمه، لحناً خافتاً؛ كطيفٍ لرقصة ڤالس، مملوءً بالتنهدات، الجمل اللحنيه فيه تبقى معلقه دون استقرار غير مختومه هارمونياً ( شوبرت أنهى الجمل اللحنيه القصيره بالكورد الخامس وتسمى هذه الختمه في علم الهارموني بالخاتمه المنقوصه)، يتوسع اللحن و يصعد تدريجياً مُمهداً لسقوط سريع “كأغنية لملاكٍ ساقط، يرثي فيها فقدانه براءته” كما وصف المحلل الموسيقي تشارلز فيسك

–
يخفي ذلك اللحن عاصفه غاضبه تظهر ومضات منها خلال اللحن كمن فقد السيطره على كبح جماحها للحظات، ثم يتردد صدى جوابها في المساحه القاحله لليأس
–
يُعزف مره أخرى نفس اللحن ولكن بمصاحبة هارموني مختلف؛ A major المفتاح المقابل للماينرF#، ذلك الهارموني أوحى بمشاعر السكينة برغم كئابة اللحن، كمن وجد الصديق المناسب ليشكو له همومه
–
بعد ذلك يتضاعف كل ماسبق بإلحاح بزيادة اوكتف، ينتهي بذلك الجزء أ
–
الجزء ب :
تُسمع نوتات متفرقه تصعد لأعلى المدى الصوتي كطير ضعيف يحاول الهروب من عاصفه حتميه، يفشل من الهروب، فيسقط في دوامة العاصفه مترنحاً يميناً و يساراً، فيتوه ويفقد اتجاهات المكان كما فُقدت التوناليتي (فُقد الأساس الهارموني الذي يقود النغمات ويكوّن تأثيرها)
–
يرتجف رعبة ويسقط في هاويه لانهاية لها يتلقى فيها سلسة من الصدمات القوية تستهلك كل ما يملكه العازف من قوه; نوبة اضطرابات مفزعه قد انكشفت بكاملها. أينقل لنا شوبرت مايشعر به من اضطرابات عصبيه جراء تداعيات مرض السفلس؟
–
و بعد تلك النوبه تبدأ الألحان المتقطعه محاولات مقاومة تُسكت بكوردات صارخه، وشيئا فشيئا تنجح في المحاوله ويحدث التصالح أخيراً باتفاق الهارموني في آخر كورد، مُلتقطاً انفاسه بعد ذلك
–
الآن اتضحت الرؤيه وظهر الضوء واستقرت الالحان على مفتاح C# ميجر المشرق
–
“شوبرت يعرف، أكثر من أي مؤلف موسيقي آخر، كيف يَقبل و يُرحب بالتصالح. وهكذا، في نهاية الجزء العاصف في الحركه الثانيه، أُسقط الستار عن المشهد الكارثي بلمسة رضى مباركه.” Kurt Oppens
ونتيجة للتصالح الذي لامفر منه بعد الانهاك، يعود الجزء أ، ولكن يعود بطريقة تؤكد أن شوبرت، البارع في تصوير المشاهد، كان ينقل لنا بكل حرفيه عمق مشاعره وافكاره حيال مرضه، اللحن الغير مختوم نفسه يعود مُضافا فوقه نوتة C# رنانه وكأنها شهقات بكاء متكرره
–
و تنتهي حركة الاندانتيونو هذه بهمسات شبحيه
—
في نهاية عام 1828 شوبرت كان مريضاً جداً وبأمس الحاجه لمن يرعاه فانتقل إلى منزل أخيه، كتب آخر رسالة منه إلى صديقه يخبره أنه لم يستطع أكل أو شرب أي شيء منذ أحد عشر يوماً ولكنه كان قادراً على القراءه ، بل وشغوف بقراءة أعمال جايمس كوبر فقد أنهى عدد من أعماله وطلب من صديقه تزويده بالأعمال الأخرى التي لم يقرأها بعد. صديقه هذا الذي ارسل له شوبرت هذه الرساله هو شوبر الذي له علاقه لايمكن تجاهلها بإصابة شوبرت بالسفلس، فقد كان المرافق الدائم له في لياليه، وبمجرد علمه بمرض شوبرت نفر منه وتجنب الإلتقاء به خوفاً من العدوى. كانت أمنية شوبرت الأخيره هي الاستماع لرباعية الوتريات op.131 التي كتبها بطله ومثله الأعلى بيتهوفن، عزفها له أصدقاءه وهو على فراش الموت وفارق الحياة بعد ذلك بأربعة أيام في 19 نوفمبر 1828 وعمره لم يتجاوز الواحد والثلاثين، دُفن بجانب قبر بيتهوفن في ڤيينا، بيتهوفن؛ الذي كان شوبرت يحلم أن يلتقيه حياً أصبح بجانبه للأبد، وبمكانة وتقدير توازي مكانة بيتهوفن.

*قبر شوبرت في جهة اليمين، وقبر بيتهوفن في اليسار
—-