“ ارتحل صامتاً، ومَرحي زهيد
واتنهد مُتسائلاً بإلحاح، إلى أين ؟ “
Franz Schubert, by Josef Teltscher
–
ذلك التساؤل المضني والبحث الدائم عن الإنتماء في أغنية فرانز شوبرت D.493 يدلنا على أحد جوانب شخصيته الحالمه.
شوبرت الذي كثيراً مايجدونه أصدقاءه يتجوّل منفرداً، مُخفياً يديه وراء ظهره ويلعب بأصابعه كمن يعزف البيانو، وعينيه مُنخفضتان للأرض. غارق تماماً بعوالمه الموسيقيه الخاصه. إقرأ المزيد ←
ربما تكون الحقيقة الأولى الصادمة عن سوناتا البيانو رقم 29 وغيرها من الأعمال العبقرية التي كُتبت في الفترة الاخيره من حياة بيتهوڤن كالسمفونية التاسعة و رباعية الوتريات رقم 14، أن بيتهوڤن نفسه لم يكن يستطيع ان يسمع تلك الأعمال بسبب صممه التام، لقد كانت وسيلته الوحيدة للتواصل مع الناس هي الكتابة على ‘ دفتر المحادثات’ الذي مازال مرجعاً مهماً للباحثين عن حياته.
إنه لمن العجيب حقاً; فكلما ازداد فقدانه لحاسة السمع ازداد ابداعه لأعمال موسيقية مُتقنه وعبقرية يَعجز أفضل الموسيقيين تعليماً و أكثرهم رهافة للسمع أن يكتب عملاً قريبا من تلك الأعمال و التي تحمل في كل واحدة منها أفكاراً موسيقية مبتكره ومختلفه.
أرى حرمانه من أعز مايملك في اللوحات التي تصور ملامح وجهه المتجهمه وفي موسيقاه التي لاتخلو من نبرة الغضب والكثير من علامات الفورتيه ƒ والفورتيسمو ƒƒ و في المواقف التي اشتُهرت عنه، كصراخه أمام الجمهور المندهش من مهارته في الارتجال ب “ أنتم أغبياء ! أغبياء ! أغبياء، جميعكم أغبياء !!”
بيتهوڤن و چوته في تيبلتز 1812
بيتهوڤن يريدنا أن ننصت الى موسيقاه، أن يتركز جُل اهتمام المستمع لها، لم يرغب يوماً بإرضاء أذواق المستمعين بل رغب احترام الناس وتقديرهم لما يسمعوه منه. لهذا لم يكن متحذلقا للناس، عاش وحيدا ولم تنجح أي من محاولاته العاطفيه. و بعد موت أخيه تعلق بشكل مهووس بابن ذلك الأخ كارل. لدرجه حاول الابن الانتحار بعد حرمانه من امه و سوء المعامله التي تلقاها منه.
بالطبع لم يستطع بيتهوڤن تقبّل حقيقة فقدانه السمع وعندما ازدادت صحته سوءاً و فشلت كل محاولاته في العلاج، نوى الانتحار و انهاء مهزلة الحياه. ولكنه وجد في نفسه الكثير والكثير ليُقال من خلال الموسيقى حتى و إن لم يكن يسمع من اذنه الخارجيه فإنه يستطيع السماع من قلبه و خياله الخصب الذي غالباً مايُنتج مايُمكن إحياءه على الواقع من خلال كتابة الموسيقى، كتابتها فقط.
كان ذلك في عام 1802 عندما كتب وصية هَايلِيچنْشتدت ( نسبة الى القريه التي سكن فيها عند كتابته للوصية) و ظلت مخبأه 25 سنه طيلة حياته..
لأخوَيْ، كارل و يوهان بيتهوڤن
يا من تظنون أو تقولون أنني حقود، عنيد و كارهٌ لكم. كيف أخطأتم في حقي على هذا النحو الجسيم. إنكم لا تعرفون السر الذي جعلني أبدو هكذا. منذ الطفولة وقلبي وعقلي مملوآن بمشاعر المودة الفياضة. كنت طموحا لإنجاز أعمال عظيمة، ولكن بالمقابل، أصبحت منذ ست سنوات، حالةً ميؤساً منها، تتردى تحت أعين أطباء منزوعي الشعور، اُخدع سنة بعد سنة بأمل التحسن. ولكنني أخيرا واجهت مُجبراً حقيقة مَرضي الدائم (الذي يتطلب علاجه سنوات طويلة، إن لم يكن علاجه مستحيلا أصلا). وُلدت بطبعٍ انفعالي وحيوي، و كنت معرضاً لمخالطة مجتمعات عدة، ولكني سريعا ما أُجبرت على عزل نفسي، للعيش في الوحدة. وأحياناً عندما أحاول تجاهل كل ذلك، أُصدم بقسوة وبحزن شديدين بسبب حالة سمعي السيئة. و أيضا كان من المستحيل علي أن أطلب من الناس أن يتحدثوا بصوت أعلى، أن أصرخ “ أنا أصم” . كيف من الممكن أن أُقر بمرض كهذا؟ بالحاسة الوحيدة التي يجب أن تكون مثالية عندي أكثر من أي شخص آخر. الحاسة التي عندما امتكلتها كانت بأعلى كمالٍ فيها. كمال كالذي يتمتع أو تمتع به القليل ممن يعملون مهنتي. إنني لا أستطيع فعل ذلك، لذا سامحوني إذا رأيتموني أتراجع وأنا أتمنى بكل سرور أن أنضم لكم. مصيبتي شديدة الألم لأنها حتما ستجعلني عسيرا على الفهم. بالنسبة لي، لا يوجد هناك تسليات في مجتمع زملائي، لا علاقة ثقافيه، ولا تبادل مشترك للأفكار، والقله القليله من أفضلهم يتطلب التهيئه للحوار. رغم أنني احيانا أمضي عكس ذلك، خاضعاً لهواي تجاه المجتمع. ولكن كم هو مُخزٍ أن يقف شخص بجانبي و يسمع صوت فلوت من بعيد و أنا لا أسمع شيئاً، أو شخصاً آخر يسمع راعياً يُغني و مرة أخرى لا أسمع شيئاً. هذه الحوادث وضعتني على شفير اليأس، ولو تمكن اليأس مني أكثر من ذلك بقليل، لَكُنت وضعت حداً لحياتي. الفن وحده منعني عن ذلك. يبدو أنه من المستحيل علي ترك هذا العالم حتى أُنتج كل الذي شعرت أنه ينادي علي لأوجده. لذلك أنا أتحمّل هذا الوجود البائس، بائسٌ حقاً. يالهذا الجسد الحساس، إن أدنى تغير مفاجئ فيه قادر على أن يرميه من أحسن حال لأسوئها. إنني مريض الآن، وقد قيل لي أنه علي اختيار قائدي. وقد فعلت ذلك. آمل أن يظلّ عزمي ثابتاً لأصمد حتى أُرضي الآلهة فيقطعون الخيط. ربما سأتحسن، وربما لا، أنا جاهز لكل الاحتمالات. أُجبرت سابقا وأنا بعمر الثمانية والعشرين سنة على أن أصبح فيلسوفاً ، وهو أمرٌ غير يسير، و غير يسير على الفنان أكثر من أي إنسان آخر. إلهي، أنت الوحيد الأقرب لأعماق روحي، أنت الأعلم بها، أنت الأعلم بذلك الحب و تلك الرغبه لفعل الخير فيّ. أيها الناس، في اليوم الذي تقرؤون فيه هذه الكلمات، فكّروا بأنكم كنتم مخطئين بحقي و الآسف منكم فَليُرح نفسه ويجد إنسانا يشبهه، إنسانا تجاوز كل عوائق الطبيعة وفعل كل مافي وسعه ليُقبَل بين الفنانين والرجال الفاضلين. إخوتي كارل و يوهان، حالما أموت، وإذا كان د.شمِدت مازال حياً، اسألوه بإسمي ليصف لكم مرضي، وارفقوا تاريخ مرضي مع هذه الوثيقه حتى يتسنى للعالم بقدر المستطاع أن يتصالح معي بعد موتي. بنفس الوقت إنني أُأكد لكما أنكم ستكونون ورثاء ثروتي الصغيره (إذا كان من الممكن تسميتها بذلك). قسموها بعدل، تحملوا مساعدة بعضكم. الجروح التي سببتموها لي تعرفون أنها مغفوره منذ زمن طويل. لك يا أخي كارل شكرا خاصا للتعلق الذي أبديته لي في الفترة الأخيرة. آمالي لك بأن تكون حياتك أفضل، متمتعا بتمام الصحة التي لن تحتاج معها لمن يرعاك. أنصحك بالفضيله لأبنائك، هي وحدها التي تعطي السعادة، ليس المال، أنا أتحدث من واقع تجربة. إن الفضيله هي وحدها من أيدتني في مأساتي، هي وبجانبها فني الذي أدين له بكوني لم أُنهِ حياتي بالانتحار. الوداع و أحبوا بعضكم. إنني أشكر كل أصدقائي، خصوصاً الأمير ليكنوفسكي والبروفوسور شمِدت. أرغب أن تكون الآلات التي من الأمير L. محفوظة عند أحد منكم، و لكن لاتدعوا نزاعاً يحدث بسبب هذا الأمر. وعندما تجدون أن بيعها سينفعكم أكثر، بيعوها. كم سأكون سعيداً عندما أتمكن من خدمتكم وأنا في قبري، إنني بفرحٍ أسارع للموت. وإذا أتى قبل أن أُمنح الفرصه لأعرض كل قدراتي الفنية، فسيكون قد أتى باكراً بالرغم من قدَري الصعب، وسأتمنى على الأرجح ان يأتي لاحقاً. و لكن برغم ذلك أنا راضٍ، ألن يحررني الموت من حالة العذاب اللامنتهي؟ تَعالَ متى أرادت مشيئته، سألتقيك بشجاعه. الوداع و لاتنسوني عندما أموت. إنني أستحق ذلك منكم، فكثيرا ما كنت أفكر كيف أجعلكم سعداء. كونوا كذلك.
هَايلِيچنْشتدت
السادس من اكتوبر 1802 لودفيچ ڤان بيتهوڤن
لأخوتي كارل و يوهان
تُقرأ و تُنفذ بعد موتي.
وجدت هذه الوصية بعد أيام من موته مخبأه مع رسائل أخرى،، فقدان السمع صعب جدا على الانسان العادي الذي لايرغب سوى بسماع صوت من يحب و صوت الطبيعه حوله، ولكن في حالة بيتهوڤن، في حالة المؤلف الموسيقي الذي تتركز حياته و سببه الأول في وجوده بهذه الحياه على الموسيقى التي لايتكوّن وجودها الا عند الاستماع.
كتب بيتهوڤن السوناتا رقم 29 عام 1818، وسمّاها ب هَمركلاڤير (الاسم الألماني لآلة البيانو). اختيار هذا الأسم لم يكن مصادفه فقد تلقى هدية ثمينه من لندن ; بيانو من الصانع برودوود يحوي ستة أوكتڤات! هذا المدى الصوتي الواسع الذي يحوي 73 مفتاحا لم يُسمع من قبل في زمن بيتهوڤن، (البيانو الحالي يحوي الآن سبعة أوكتڤات وثلث اي 88 مفتاحا) بالرغم من ان بيتهوڤن لم يسمع فعلياً صوت البيانو الا انه استخدم و بجداره المدى الأوسع الذي اُبتكر، مثلا عند استخدامه للكوردات التي لاتقل عن 4 او 5 نوتات في الهارموني المصاحب لِ اللحن والتي تُعطي ضخامة في الصوت ومساحة اكبر للاستماع، ايضا هناك السلالم التي تمتد من اول البيانو لآخره، و تركيزه على النوتات العاليه جدا و المنخفضه جدا في مقاطع عديده، عوضاً عن ذلك جعل من هذه السوناتا سمفونية و بأبعاد اوركستراليه، بالطبع فآلة البيانو تختزل بمداها الصوتي الكامل جميع آلات الاوركسترا.. بيتهوڤن كتب مرة لأحد ناشريه عن الهمركلاڤير:
السوناتا ستمنح عازفي البيانو بعض العقبات، والتي سيعزفونها خمسين سنة تاليه.
بيانو البرودوود الذي أُهدي لبيتهوڤن
كان يعرف انه قد كتب عملاً مهيباً بهذا الحجم. فالسوناتا تتطلب لعزفها تكنيك عالي لدى العازف وقوه تركيز ودقه. انها القطعه الوحيده التي حرص بيتهوفن على ان يكتب عليها علامات سرعة العزف (tempo) مضبوطة برقم دقيق، وعوضا عن ضخامتها فهي صارمه و معقده، كُتبت لتُعبر ليس عن الجمال فقط، بل عن أعمق النزاعات الداخليه للنفس الانسانيه، عن مشاعر مختلطه تعجز عن تحديد ماهيتها، هكذا هو بيتهوڤن، لا نستطيع بكل بساطه ان نصف أصغر أعماله بمعنى واحد واضح، مثلا في الحركة الاولى من سوناتا ضوء القمر المشهوره لايمكن ان تُوصف بأنها تأمليه فقط او حزينه او رومانسيه فقط.
بيتهوفن عندما كتب هذه السوناتا كان مهووسا بفكرة واحده؛ المسافات الثالثه. كوَنت هذه الفكره أغلب الالحان و انصاف الالحان و الهارموني المصاحب في كل الحركات الاربع، أشبع السوناتا تماما بها.
الموسيقى، أي نوع من الموسيقى، تستند إلى نظام نغمي مألوف و فطري لدى الأذن البشريه، اعني بالنظام هو المسافات المحدده مسبقا بين النوتات السبعه، لكل نوع من السلالم مثلا سلم الميجور او سلم المينور هناك نظام للمسافات التي تفصل بين نغمة و أخرى، أحد أهم قواعد هذا النظام هو العلاقه بين النوتة الأولى والنوتة الخامسة من السلم نفسه. عندما تبدأ اي قطعه موسيقيه فإنها تبدأ من ذلك المفتاح الأول (Tonic)، لتُحدد السلم للمُستمع (مثلا: قطعه مكتوبة على سلم G ميجور، فإن أول نغمه أو أول كورد يجب أن تكون على نغمة G ميجور) ثم بعد خروجها من المفتاح الأول (البيت الذي وُلدت فيه) تبدأ الموسيقى في رحلة بحث عن مكان تلتجأ إليه، عن درجة صوتيه تستقر فيها؛ المفتاح الخامس أو مايسمى بالدومننت (Dominant). لتعود وتختم رحلتها بعودتها للبيت (المفتاح الأول).
هذا النظام الفطري للموسيقى عُبث به في أوائل القرن العشرين واختَرع الموسيقي شونبرغ ما يسمى بالموسيقى الغير نغمية (Twelve-tone technique) و التي لاتستند حسب معرفتي لأي نظام يربط النغمات ببعضها. فوضى من الأصوات الغريبه لاتسلك طريقاً واضحاً ليصل بنا إلى هدف نهائي.
هناك تسميه أخرى للنظام النغمي المعروف تحدث عنها الاستاذ والبيانِست “ Jonathan Biss” يقول ان النغمة الأولى من السلم تُعبّر عن الزمن الحاضر، والخامسة تُعبّر عن رؤيتنا للمستقبل، والنغمة الرابعة (Subdominant) تعود بنا الى ماحدث في الماضي، والثالثة تعطي شعوراً بلانهائية الكون .
في هذه السوناتا بيتهوڤن لم يُوظف المفتاح الخامس بشكل كافي و تجاهل قاعدة أساسيه في الموسيقى، و بدلاً من الخامس وظّف بشكل أساسي المفتاح الثالث، ربما ليغرّق القطعه بالشعور باللانهائيه و يأخذنا برحلة معدومة الحدود، لانعرف بدايتها من نهايتها. ينطبق ذلك الشعور كثيرا على الحركة الثالثه (الأداچيو) من سوناتا الهمركلاڤير، الحركة الأطول في السوناتا بكاملها. والتي وصفها عازف البيانو كيمبف بالتالي :
“ … لم تُكتب من قبل أداچيو بهذه الضخامه و بهذا التطلع، في هذه الأداچيو بيتهوڤن يستعرض أعمق أبعاد روح الانسان، والذي لم يكن باستطاعته الوصول لها لولا مساعدة وحي إلهي ..”
تجدون هنا الأداجيو معزوفةً من ألفريد بريندل، و كذلك المقاطع المقتبسه القادمه هي من نفس التسجيل :
تُفتتح هذه الحركه بكوردات عميقه يتخللها اللحن الرئيسي الأول معزوفاً على مفتاح F#، اللحن يُغرقنا بالشعور بوحدة جاثمه وحزن ثقيل، و يُحيطنا بمكانٍ مُوحش، بارد و مظلم..
وفي وسط هذه الظروف يظهر اللحن الثاني كخيط من أمل سماويٍ مشرق، ومكتوبا على مفتاح G ميجور
فتُثار محاورات بين اللحنين تنتهي بنقلة transition يصبح اللحن فيها مشرقا ومُنسابا بعفويه و الريثم سهل الملاحظه، ليبدأ بعدها باستعراض ألحان فرعيه صغيره اغلبها يعتمد تركيبها على المسافه الثالثه، حتى يصل لتطوير سريع لتلك الالحان الذي لم يزد على صفحة واحده، ثم في جزء اعادة تلك الألحان (والذي من المفترض ان تكون الألحان فيه كما كُتبت أول مره) قام بيتهوفن بإعادة اللحن الرئيسي الأول بشكل عجيب كما لو انه أُولّف من جديد ليمثل هذا الجزء لحظه الذروه (Climax) في حركة الاداچيو بكاملها.
و بعد ان اختتمت هذه الأداچيو الاستثنائيه بخاتمه هادئه لاتكاد تلاحظ ابتدأت الحركة الرابعه و كأنها إفاقة من حلم عميق بنوتة F معزوفة على كل الدرجات الممكنه من اخفضها الى اعلاها ثم تعزف كوردات عديدة تبدو وكأنها محاولة ايجاد المفتاح الصحيح
F ؟ لا
C# ؟ ايضا لا
A# ؟ ربما
F# ؟ جيد، ثم ينساب لحن سريع على هذا المفتاح ليقف فجأه و كأن المفتاح الذي اختاره لم يكن مناسبا فيعود لاختياراته
D# ؟ لا
B Maj ؟ نعم !
و هكذا يستمر بالتبديل بين المفاتيح حتى يصل الى المفتاح الأصلي لهذه السوناتا B♭major عندها يعزف اللحن الرئيسي للفيوچ، ذلك اللحن الذي لايضاهي اي لحن فيوچي آخر، صعب للغايه و طويل بحيث يصل الى أحد عشرة مازوره، كروماتيكي (لايستند الى مفتاح معين)، و عوضا عن ذلك يبدأ هذا اللحن بالتريلز، هذه الاداه التي لاتزيد على ان تكون زخرفة ثانويه، جعلها بيتهوڤن عنصراً أساسياً للحن فيوچي ! ، بهذا تفوق بيتهوفن على باخ الماستر الأول لقالب الفيوچ.
استخدم بيتهوڤن كل فكرة ممكنه ليصنع الفيوچ، جعل الالحان تتداخل ببعضها و تتبادل تكملة اللحن على درجاتها الصوتيه المختلفه، جعل الالحان متعاكسه كما تتعاكس الصور في المرآه، و استخدم أداة الريتروچريد التي يتراجع فيها اللحن إلى الخلف (فتكون أول نوتة فيه هي آخر نوته و آخر نوتة هي الأولى) و في خضم هذه الفوضى المعقده من الاصوات الغير مترابطه و كأنها موسيقى القرن العشرين الغير نغميه (التي اخترعت بعده باكثر من قرن) يظهر لحن كورالي يعود بنا إلى ألحان العصور الوسطى المونوفونيه (خط لحني واحد) هادئ و مشبع بالسلام الروحي .
مذهل كيف استطاع بيتهوڤن أن يجمع موسيقى الكون بأكمله في مقطوعة واحدة و هو فاقد تماما حاسة السمع.
عازف البيانو كيمبف وصف هذه الحركه بالتالي :
“.. و ذلك الفيوچ العظيم تأليفٌ عجيب، الذي يجب أن يُقرأ بدلاً من ان يُسمع. فن الكاونتربوينت بأكمله اجتُمع بجرأة مذهله. وأكثر من ذلك، بيتهوڤن كتب عليها كلمات قليله تُفهم وكأنها اعتذار: ” فيوچ مع بعض الاباحات” و بهذه الاباحات تكمن أصالة هذه الفيوچ. هكذا بيتهوڤن يضفي روحاً جديده لهذا القالب المهيب. و لكنه مع ذلك لم يتلفها. هو يحترم القوانين العريقة للفيوچ. فالأصوات المختلفه التي تتطور بحرية تعود بالنهايه لتُطيع القوة الخارقة للهارموني. لايوجد فوضى هنا، بل احترام عميق للقوانين الأبديه التي دائما ماتنظم حركات النجوم والكواكب. بالنسبة لي هذه فعلا موسيقى كونية.”
من الواضح ان هذه السوناتا من المستوى الرفيع جدا، الكثير من العازفين المشهورين والخالدين لم يتجرأوا و يخوضوا تجربة عزفها، او ربما لم يجدوا فيها مايرغبون بالتعبير عنه من خلالها، وجدت عدة عازفين من مدارس مختلفه ابدعوا في عزفها كلٌ و رؤيته الخاصه التي يصعب شرحها و تتضح بالاستماع بشكل أفضل، اخترت الحركة الأولى المشرقه و الحيويه لتظهر قدرات العازفين كما في الفيديو :
و للاستماع للعمل بأكمله تجدون عزف السوڤييتي الراحل چيللس في حفلة موسكو كونسرفتوار عام 1984
السمفونيه السادسه (پاثتيك) على مفتاح B minor – التأليف رقم 74
كثيرا ماينتقد النقاد هذه السمفونيه من ناحية التزام تشايكوڤسكي بالقالب الموسيقي الصحيح و خصوصا قالب السوناتا الذي دائما مايكون في الحركه الأولى من أي عمل موسيقي كبير، النقاد يتحدثون عن عدم انسجام هذه السمفونيه ككيان واحد و لكنهم يرون ذلك من زاوية ضيقه و أكاديمية للغايه، تشايكوڤسكي كون هذا العمل العظيم من أداة واحده: السلالم! فقط من هذه السلالم ( تنازلية كانت أم تصاعديه ) صنع العديد من الألحان البليغه و أشباه الألحان (موتڤ) ، الانسجام هنا يأتي من الأداه الواحده (السلالم) التي استخدمت في كل الحركات الأربع وجعلت بينهم رابط ضمني لايُفسر بسهوله و أدت وظائف عديده تخدم رؤيته لهذه السمفونية .
قبل البدء في التحليل الموسيقي يجب أن أوضح فكرة قالب السوناتا الذي دائما ما يكوّن الحركة الأولى من أي عمل موسيقي كبير..
القالب السوناتي يحوي ثلاث أجزاء مرتبة:
جزء عرض الألحان والذي غالباً مايُؤلف فيه لحنين رئيسيين، اللحن الأول (ثيمI) و اللحن الثاني (ثيم II).
ثيم I يُكتب على المفتاح الأول من السلم الموسيقي المُقرر اختياره للقطعة.
ثيم II يُكتب على المفتاح الخامس من نفس السلم الموسيقي.
في هذه السمفونية، السلم المقرر لها هو B minor ؛ إذن اللحن الأول سيكون على مفتاح B minor و اللحن الثاني سيكون على مفتاح F# major
الجزء الثاني تطوير تلك الألحان و الذي يُعمل فيه تنويعات و تغييرات على الألحان.
الجزء الثالث إعادة عرض تلك الألحان في أصلها و يمكن هنا تغيير المفتاح الذي تُعزف عليه فقط.
ثم أخيرا تكون هناك ختمة للحركة (Coda).
الحركة الأولى :
الحزن الكبير الذي يملأ هذه السمفونيه يبدأ من السطور الأولى لها، افتُتحت بصوت عميق وكئيب من آلة الباصون تعزف شبه-لحن (موتڤ) على أخفض درجات الباصون والذي يقابل برد رثائي من مجموعه آلات الڤيولا، يُسمع جزء من هذا الرد الرثائي فيما بعد على الات النفخ و كأنها تصرخ صرخات مضنية ثم تكمل بعد ذلك آلات الڤيولا رثائها قبل أن يعم صمت لحظي. ليبدأ بشكل مفاجئ اللحن الأول (ثيم I) على مفتاح B minor معزوفا على آلات الڤيولا سريعاً و متوتراً و ينتقل بخفه على باقي آلات الاوركسترا،
وبعد عزف متبادل بين آلات النفخ و الآلات الوتريه لأصداء من اللحن الأول ، تقود آلات النفخ النحاسيه الاوركسترا للذروه الموسيقيه و تزيدها توترا و شده حتى ينتهي ذلك تدريجياً بعزف فردي صاعد من آلات الڤيولا ليُمهد بدخول اللحن الثاني (ثيم II) على مفتاح F# major. يجري على مسامعنا لحنٌ بالغ العذوبه، رومانسي و حالم، يفيض بالمشاعر والانفعالات. تماما، كالشخصيات التي نقرأها في الأدب الروسي. يُعزف هذا اللحن برقّه على الكمنجات و التشيلّو، هنا تشايكوڤسكي يقدم واحد من أروع ألحانه ..
بعد انتهاءه يتبادل الفلوت و الباصون العزف على مقاطع سُلميه تصعد و تنزل فوق خلفية لحن حماسي يُعزف من الوتريات، وبعد ذروة موسيقيه تَعزف آلات النفخ مجتمعة سُلماً تنازلياً يعود باللحن الثاني (ثيم II) أكثر حدة وقوة و يُعزف بنفس المفتاح F# major و لكن بدرجة (أوكتڤ) أعلى من السابق و يُشارك في عزفه باقي آلات الاوركسترا ثم يُعاد مرة اخرى بسرعة هستيريه و بشغف أكبر حتى لا يتبقى منه سوى بضع نوتات تتنازل ببطئ ، ثم تعزف آله الكلارنيت وحيدة ذلك اللحن البديع (ثيم II) عزفا مليئا بالحنين يتبعه الباصون بصوت لا يكاد يسمع و يعزف اخر أربع نوتات من جزء عرض الألحان و يختمه بعدما استفتح هذه الحركة.
و فجأه تنفجر كامل الاوركسترا و تثور غضباً في أكثر اللحظات رعباً بالأعمال الأوركستراليه و بهذا يبدأ جزء تطوير الألحان الذي خصصه تشايكوڤسكي لتطوير اللحن الاول (ثيم I) فقط. بدأ بتطوير سريع و قصير للحن الأول في خضم فوضى عارمه يختلط فيها صرخات آلات النفخ مع العزف المتوتر والغير منتهي من الوتريات ثم يظهر من بينها صوت فاجع لآلة الترومبون تعزف اللحن الروسي التقليدي للقداس الجنائزي، و يستمر التطوير حتى يصل لأكثر اللحظات تراجيدية تتبادل فيها الوتريات و آلة الترومبون حواراً تنازلي يعبر بوضوح عن الإنهيار والسقوط حتى يغرق في الصمت وبذلك ينتهي جزء تطوير الألحان.
فيعود اللحن الثاني (ثيم II) لمجده مشرقا ومملوءاً بالحب ،معزوفاً على الكمنجات بمفتاح آخر؛ D# major، مع عزف تصاعدي (تفاؤل) للسلالم بتكنيك “تريميلو” على الڤيولا و التشيلّو الذي اعطى انطباعا بابتعاد اللحن و كأنه يرحل و يودع ، يتخلله لحن الافتتاحيه (الموتڤ) الذي عُزف من الباصون في بداية الحركة ثم يعزف نفس الموتڤ مره أخرى من الهورن، وبعد انتهاء الكمنجات من إلقاء كلمتها الأخيرة، تعزف الكلارنيت وحيدةً ذلك اللحن (ثيم II) لتلقي هي أيضاً كلمتها الأخيره.
ثم تأتي الختمه (Coda) مُعلنة بعزف تكنيك ”بيتزيكاتو” (نقر الأوتار) على الوتريات ليأتي دور الهورن و الترومبيت ليعزفوا و كأنهم يغنون لحناً كورالي خريفي يُلقى مرة أخرى من آلات النفخ متحدة وبهذا تختتم الحركة الأولى بجو من الرضا و الهدوء.
الحركة الثانية:
تعطي هذه الحركة ببساطتها و خفتها راحة للمستمع بعد الحركة الأولى الثقيله والمعقدة، تأخذ شكل القالب الثلاثي ( Ternary form) ، أي لحنين رئيسيين ثيم I و ثيم II يتبادلان الظهور بدون عمل تنوعيات عليهما و تعزف بهذا الترتيب : I ثم II ثم I ثم لحن الختمة .
اللحن الأول (ثيم I) ڤالس لطيف و ربيعي من احد ڤالسات تشايكوڤسكي المميزه بطابعها الخاص، اللحن مكتوب ب ريتم 5/4 و ينتهي بعزف سلمي تنازلي بتكنيك ستاكاتو (staccato) (تعزف النوته بضربة سريعه و قصيره ) أعطى ذلك التكنيك شعورا طاغيا بالرقص والمرح، كتبه تشايكوڤسكي على بمفتاح D major و اختار السرعه (tempo) ليكون أليچرو. يُعزف اللحن أول مره على التشيللو مع عزف تكنيك بيتزيكاتو (نقر الأوتار) على باقي الآلات الوتريه ثم ينتقل هذا اللحن الراقص على آلات النفخ و يعود للوتريات بأوركستريشن مختلف..
حتى يصل للحن الثاني المكتوب على المفتاح البديل ل B minor ; D major ، اللحن بُني من السلم التنازلي البسيط معزوف على الكمنجات و الفلوت مع ضربات خفيفه متكرره على التيمباني (الطبل) لنوتة D والذي كوّن ثلاثي (تريو) بين تلك الآلات .
ثم يُعاد لحن الڤالس الأول معزوفا على الكمنجات و التشيلو مرفقا ب البيتزيكاتو حتى يتنقل و يعزف على آلات النفخ النحاسيه (ترومبون و ترومبيت) ثم تسمع أجزاء متفرقة منه على الفلوت و الأوبو و الكلارنيت و الباصون والهورن. حتى تختتم هذه الحركة بالتكنيك المفضل لدى تشايكوڤسكي ؛ بيتزيكاتو على الوتريات مع نغمة أخيره من الهورن والباصون و الكلارنيت للكورد الخامس من السلم.
الحركه الثالثه
مارش عظيم (موسيقى عسكرية) على سرعة أليچرو مليئ بالحياه، تزدهر فيه الكمنجات بعزف سلالم مندفعه، هنا تشايكوفسكي استخدم وبشكل اساسي المسافات الرابعه لتكوين ألحانه ، من المارش الذي يُسمع أصداء منه لأول مره على آلة الاوبو ثم يعزف بكامله أخيرا على الوتريات ، الى البيتزيكاتو المستخدم على درجه حاده في الكمنجات، كل ذلك يعطي طابعا احتفاليا لايخلو من المرح والافتخار ..
كثيرا ما توحي هذه الحركة بنهاية السمفونيه ، خصوصا عندما يُعزف الكورال على آلات النفخ النحاسيه و تُضرب آله الصنج الاحتفاليه وكأنه لم يتبق للمؤلف شيء ليكتبه. ولكن ليس بعد ..
الحركه الرابعه :
اختار تشايكوڤسكي إيقاع أداجيو بطيئ لهذه الحركه و خالف القاعده المتعارف عليها في السمفونيات ان تكون الحركه الرابعه أليچرو Allegro الذي يعني سرعة و خفة اللحن ليُبدد ثقل الحركات الثلاث السابقه وخصوصا الأولى بشكلها السوناتي المعقد، ولكن تشايكوڤسكي هنا حاول اتباع أسلوب بيتهوفن في تركيزه على الحركه الأخيره والتعبير من خلالها عن رسالة مهمه وختام العمل بكودا (ختمه) طويله و ثقيله و التي عكست فيما بعد موت تشايكوڤسكي المُفاجئ بعد اسبوع من العرض الأول للسمفونيه. و لأنه ليس من المعتاد على تشايكوڤسكي هذا الأسلوب فقد فُسر على نيته بالانتحار حتى ان هذه السمفونيه اشتهرت بتسميتها ب نوتة الانتحار ( The suicide Note )
هذه الحركه مكونه من لحنين رئيسيين. الأول لحن تنازلي على مفتاح B Minor يعبر عن الكرب و اليأس والفاجعة. و اللحن الثاني أيضا تنازلي ولكنه يعبر عن الأمل والنُبل و مكتوب على مفتاح D Major المفتاح المشرق المقابل لمفتاح اللحن الأول الحزين وكأنه بهذا يؤدي دور المعزي والمواسي.
اللحن الأول يُعزف من الوتريات جميعها (الكمنجات الأولى ، الكمنجات الثانيه، الفيولات ، التشيللو و الكُنترباص) بحيث تَعزف كل آلة منهم جزء من اللحن و باجتماعهم سويا يكونون لحناً كاملا له طابع تنازلي مع عزف توكيدي (أكسينت) لنوتة واحده مستمرة على آلات النفخ و التي تنمو فتصبح ألحاناً جزئية مساعده (كاونتر ميلودي).
اللحن الأول
ثم يُعاد نفس اللحن بعد صمت جر وراءه عزف سلمي سريع على الوتريات و لكن بتغيير الآلات التي تعزف النوته التوكيديه لتُعزف على آلة أكثر عمقاً و ظلمه؛ الباصون. ومن هذه الظلمه والصمت يشرق اللحن الثاني مليئا بالأمل و دافئا ، يُعزف على الكمنجات متحده تحت خلفيه عزف متتالي لنوتة E من الهورن الفرنسي
يزداد هذا اللحن اشراقا وصعودا باصرار ليقشع هذا الظلام و ينشر النور حتى يصل للسماء و يُكوِّن الذروة الموسيقيه (Climax) ولكنه سرعان ما يسقط و يتخاذل امام العقبات ثم يعيد محاولاته بعناد و قوه والتي سرعان ما تُصمت و تُكبت في كل مره، حتى يتحول هذا اللحن الملئ بالأمل الى يأس قاتم، بعد صمت لحظي تعزف الوتريات سُلما سريعا يجر معه اللحن الأول بنفس حزنه المفجوع ونفس العزف التوكيدي للنوته ولكن هذه المره يُعزف من الهورن الفرنسي، ويتكرر اللحن بشكل سريع و عنيد حتى يصل الى الذورة التي تُنهي هذه المحاولات العقيمه الى غضب و فوضى عارمه تغرق تدريجيا بالصمت الذي يعزف فيه الترمبون والتوبا وحيدين ترنيمة جنائزية مهيبه ، ثم تعزف الوتريات لحن الخاتمه الثقيل الذي يتنقل من الكمنجات مرورا بالڤيولا حتى يصل لأخفض الآلات الوتريه التشيلو و الكنترباص وبهذا تنتهي هذه التراجيديه و تكون بذلك آخر نوتة كتبها تشايكوڤسكي.