• About

اداچيو

~ الكُل مترابط بتمهلٍ و جلال

اداچيو

Category Archives: قصة تُحكى

فرانز شوبرت

06 السبت أوت 2016

Posted by Adagio in قصة تُحكى, تحليل موسيقي

≈ التعليقات على فرانز شوبرت مغلقة

 

“ ارتحل صامتاً، ومَرحي زهيد
واتنهد مُتسائلاً بإلحاح، إلى أين ؟ “

Franz_Schubert_by_Josef_Eduard_Teltscher

Franz Schubert, by Josef Teltscher

 

–

ذلك التساؤل المضني والبحث الدائم عن الإنتماء في أغنية فرانز شوبرت D.493 يدلنا على أحد جوانب شخصيته الحالمه.
شوبرت الذي كثيراً مايجدونه أصدقاءه يتجوّل منفرداً، مُخفياً يديه وراء ظهره ويلعب بأصابعه كمن يعزف البيانو، وعينيه مُنخفضتان للأرض. غارق تماماً بعوالمه الموسيقيه الخاصه. إقرأ المزيد ←

سوناتا الهَمركلاڤير لِبيتهوڤن

26 الأحد أفريل 2015

Posted by Adagio in قصة تُحكى, تحليل موسيقي

≈ 3 تعليقات

الوسوم

بيتهوڤں, سوناتا

bg-lvb-schimon1818

ربما تكون الحقيقة الأولى الصادمة عن سوناتا البيانو رقم 29 وغيرها من الأعمال العبقرية التي كُتبت في الفترة الاخيره من حياة بيتهوڤن كالسمفونية التاسعة و رباعية الوتريات رقم 14، أن بيتهوڤن نفسه لم يكن يستطيع ان يسمع تلك الأعمال بسبب صممه التام، لقد كانت وسيلته الوحيدة للتواصل مع الناس هي الكتابة على ‘ دفتر المحادثات’ الذي مازال مرجعاً مهماً للباحثين عن حياته.

إنه لمن العجيب حقاً; فكلما ازداد فقدانه لحاسة السمع ازداد ابداعه لأعمال موسيقية مُتقنه وعبقرية يَعجز أفضل الموسيقيين تعليماً و أكثرهم رهافة للسمع أن يكتب عملاً قريبا من تلك الأعمال و التي تحمل في كل واحدة منها أفكاراً موسيقية مبتكره ومختلفه.

أرى حرمانه من أعز مايملك في اللوحات التي تصور ملامح وجهه المتجهمه وفي موسيقاه التي لاتخلو من نبرة الغضب والكثير من علامات الفورتيه ƒ والفورتيسمو ƒƒ و في المواقف التي اشتُهرت عنه، كصراخه أمام الجمهور المندهش من مهارته في الارتجال  ب “ أنتم أغبياء ! أغبياء ! أغبياء، جميعكم أغبياء !!”

بيتهوڤن و چوته في تيبلتز 1812

بيتهوڤن و چوته في تيبلتز 1812

بيتهوڤن يريدنا أن ننصت الى موسيقاه، أن يتركز جُل اهتمام المستمع لها، لم يرغب يوماً بإرضاء أذواق المستمعين بل رغب احترام الناس وتقديرهم لما يسمعوه منه. لهذا لم يكن متحذلقا للناس، عاش وحيدا ولم تنجح أي من محاولاته العاطفيه. و بعد موت أخيه تعلق بشكل مهووس بابن ذلك الأخ كارل. لدرجه حاول الابن الانتحار بعد حرمانه من امه و سوء المعامله التي تلقاها منه.

بالطبع لم يستطع بيتهوڤن تقبّل حقيقة فقدانه السمع وعندما ازدادت صحته سوءاً و فشلت كل محاولاته في العلاج، نوى الانتحار و انهاء مهزلة الحياه. ولكنه وجد في نفسه الكثير والكثير ليُقال من خلال الموسيقى حتى و إن لم يكن يسمع من اذنه الخارجيه فإنه يستطيع السماع من قلبه و خياله الخصب الذي غالباً مايُنتج مايُمكن إحياءه على الواقع من خلال كتابة الموسيقى، كتابتها فقط.

كان ذلك في عام 1802 عندما كتب وصية هَايلِيچنْشتدت ( نسبة الى القريه التي سكن فيها عند كتابته للوصية) و ظلت مخبأه 25 سنه طيلة حياته..

 لأخوَيْ، كارل و يوهان بيتهوڤن

يا من تظنون أو تقولون أنني حقود، عنيد و كارهٌ لكم. كيف أخطأتم في حقي على هذا النحو الجسيم. إنكم لا تعرفون السر الذي جعلني أبدو هكذا. منذ الطفولة وقلبي وعقلي مملوآن بمشاعر المودة الفياضة. كنت طموحا لإنجاز أعمال عظيمة، ولكن بالمقابل، أصبحت منذ ست سنوات، حالةً ميؤساً منها، تتردى تحت أعين أطباء منزوعي الشعور، اُخدع سنة بعد سنة بأمل التحسن. ولكنني أخيرا واجهت مُجبراً حقيقة مَرضي الدائم (الذي يتطلب علاجه سنوات طويلة، إن لم يكن علاجه مستحيلا أصلا). وُلدت بطبعٍ انفعالي وحيوي، و كنت معرضاً لمخالطة مجتمعات عدة، ولكني سريعا ما أُجبرت على عزل نفسي، للعيش في الوحدة. وأحياناً عندما أحاول تجاهل كل ذلك، أُصدم بقسوة وبحزن شديدين بسبب حالة سمعي السيئة. و أيضا كان من المستحيل علي أن أطلب من الناس أن يتحدثوا بصوت أعلى، أن أصرخ “ أنا أصم” . كيف من الممكن أن أُقر بمرض كهذا؟ بالحاسة الوحيدة التي يجب أن تكون مثالية عندي أكثر من أي شخص آخر. الحاسة التي عندما امتكلتها كانت بأعلى كمالٍ فيها. كمال كالذي يتمتع أو تمتع به القليل ممن يعملون مهنتي. إنني لا أستطيع فعل ذلك، لذا سامحوني إذا رأيتموني أتراجع وأنا أتمنى بكل سرور أن أنضم لكم. مصيبتي شديدة الألم لأنها حتما ستجعلني عسيرا على الفهم. بالنسبة لي، لا يوجد هناك تسليات في مجتمع زملائي، لا علاقة ثقافيه، ولا تبادل مشترك للأفكار، والقله القليله من أفضلهم يتطلب التهيئه للحوار. رغم أنني احيانا أمضي عكس ذلك، خاضعاً لهواي تجاه المجتمع. ولكن كم هو مُخزٍ أن يقف شخص بجانبي و يسمع صوت فلوت من بعيد و أنا لا أسمع شيئاً، أو شخصاً آخر يسمع راعياً يُغني و مرة أخرى لا أسمع شيئاً. هذه الحوادث وضعتني على شفير اليأس، ولو تمكن اليأس مني أكثر من ذلك بقليل، لَكُنت وضعت حداً لحياتي. الفن وحده منعني عن ذلك. يبدو أنه من المستحيل علي ترك هذا العالم حتى أُنتج كل الذي شعرت أنه ينادي علي لأوجده. لذلك أنا أتحمّل هذا الوجود البائس، بائسٌ حقاً. يالهذا الجسد الحساس، إن أدنى تغير مفاجئ فيه قادر على أن يرميه من أحسن حال لأسوئها. إنني مريض الآن، وقد قيل لي أنه علي اختيار قائدي. وقد فعلت ذلك. آمل أن يظلّ عزمي ثابتاً لأصمد حتى أُرضي الآلهة فيقطعون الخيط. ربما سأتحسن، وربما لا، أنا جاهز لكل الاحتمالات. أُجبرت سابقا وأنا بعمر الثمانية والعشرين سنة على أن أصبح فيلسوفاً ، وهو أمرٌ غير يسير، و غير يسير على الفنان أكثر من أي إنسان آخر. إلهي، أنت الوحيد الأقرب لأعماق روحي، أنت الأعلم بها، أنت الأعلم بذلك الحب و تلك الرغبه لفعل الخير فيّ. أيها الناس، في اليوم الذي تقرؤون فيه هذه الكلمات، فكّروا بأنكم كنتم مخطئين بحقي و الآسف منكم فَليُرح نفسه ويجد إنسانا يشبهه، إنسانا تجاوز كل عوائق الطبيعة وفعل كل مافي وسعه ليُقبَل بين الفنانين والرجال الفاضلين. إخوتي كارل و يوهان، حالما أموت، وإذا كان د.شمِدت مازال حياً، اسألوه بإسمي ليصف لكم مرضي، وارفقوا تاريخ مرضي مع هذه الوثيقه حتى يتسنى للعالم بقدر المستطاع أن يتصالح معي بعد موتي. بنفس الوقت إنني أُأكد لكما أنكم ستكونون ورثاء ثروتي الصغيره (إذا كان من الممكن تسميتها بذلك). قسموها بعدل، تحملوا مساعدة بعضكم. الجروح التي سببتموها لي تعرفون أنها مغفوره منذ زمن طويل. لك يا أخي كارل شكرا خاصا للتعلق الذي أبديته لي في الفترة الأخيرة. آمالي لك بأن تكون حياتك أفضل، متمتعا بتمام الصحة التي لن تحتاج معها لمن يرعاك. أنصحك بالفضيله لأبنائك، هي وحدها التي تعطي السعادة، ليس المال، أنا أتحدث من واقع تجربة. إن الفضيله هي وحدها من أيدتني في مأساتي، هي وبجانبها فني الذي أدين له بكوني لم أُنهِ حياتي بالانتحار. الوداع و أحبوا بعضكم. إنني أشكر كل أصدقائي، خصوصاً الأمير ليكنوفسكي والبروفوسور شمِدت. أرغب أن تكون الآلات التي من الأمير L. محفوظة عند أحد منكم، و لكن لاتدعوا نزاعاً يحدث بسبب هذا الأمر. وعندما تجدون أن بيعها سينفعكم أكثر، بيعوها. كم سأكون سعيداً عندما أتمكن من خدمتكم وأنا في قبري، إنني بفرحٍ أسارع للموت. وإذا أتى قبل أن أُمنح الفرصه لأعرض كل قدراتي الفنية، فسيكون قد أتى باكراً بالرغم من قدَري الصعب، وسأتمنى على الأرجح ان يأتي لاحقاً. و لكن برغم ذلك أنا راضٍ، ألن يحررني الموت من حالة العذاب اللامنتهي؟ تَعالَ متى أرادت مشيئته، سألتقيك بشجاعه. الوداع و لاتنسوني عندما أموت. إنني أستحق ذلك منكم،  فكثيرا ما كنت أفكر كيف أجعلكم سعداء. كونوا كذلك.

هَايلِيچنْشتدت

السادس من اكتوبر 1802  لودفيچ ڤان بيتهوڤن

لأخوتي كارل و يوهان

تُقرأ و تُنفذ بعد موتي.

وجدت هذه الوصية بعد أيام من موته مخبأه مع رسائل أخرى،، فقدان السمع صعب جدا على الانسان العادي الذي لايرغب سوى بسماع صوت من يحب و صوت الطبيعه حوله، ولكن في حالة بيتهوڤن، في حالة المؤلف الموسيقي الذي تتركز حياته و سببه الأول في وجوده بهذه الحياه على الموسيقى التي لايتكوّن وجودها الا عند الاستماع.

كتب بيتهوڤن السوناتا رقم 29 عام 1818، وسمّاها ب هَمركلاڤير (الاسم الألماني لآلة البيانو). اختيار هذا الأسم لم يكن مصادفه فقد تلقى هدية ثمينه من لندن ; بيانو من الصانع برودوود يحوي ستة أوكتڤات! هذا المدى الصوتي الواسع الذي يحوي 73 مفتاحا لم يُسمع من قبل في زمن بيتهوڤن، (البيانو الحالي يحوي الآن سبعة أوكتڤات وثلث اي 88 مفتاحا) بالرغم من ان بيتهوڤن لم يسمع فعلياً صوت البيانو الا انه استخدم و بجداره المدى الأوسع الذي اُبتكر، مثلا عند استخدامه للكوردات التي لاتقل عن 4 او 5 نوتات في الهارموني المصاحب لِ اللحن والتي تُعطي ضخامة في الصوت ومساحة اكبر للاستماع، ايضا هناك السلالم التي تمتد من اول البيانو لآخره، و تركيزه على النوتات العاليه جدا و المنخفضه جدا في مقاطع عديده، عوضاً عن ذلك جعل من هذه السوناتا سمفونية و بأبعاد اوركستراليه، بالطبع فآلة البيانو تختزل بمداها الصوتي الكامل جميع آلات الاوركسترا.. بيتهوڤن كتب مرة لأحد ناشريه عن الهمركلاڤير:

السوناتا ستمنح عازفي البيانو بعض العقبات، والتي سيعزفونها خمسين سنة تاليه.

بيانو البرودوود الذي أُهدي لبيتهوڤن

بيانو البرودوود الذي أُهدي لبيتهوڤن

كان يعرف انه قد كتب عملاً مهيباً بهذا الحجم. فالسوناتا تتطلب لعزفها تكنيك عالي لدى العازف وقوه تركيز ودقه. انها القطعه الوحيده التي حرص بيتهوفن على ان يكتب عليها علامات سرعة العزف (tempo) مضبوطة برقم دقيق، وعوضا عن ضخامتها فهي صارمه و معقده، كُتبت لتُعبر ليس عن الجمال فقط، بل عن أعمق النزاعات الداخليه للنفس الانسانيه، عن مشاعر مختلطه تعجز عن تحديد ماهيتها، هكذا هو بيتهوڤن، لا نستطيع بكل بساطه ان نصف أصغر أعماله بمعنى واحد واضح، مثلا في الحركة الاولى من سوناتا ضوء القمر المشهوره لايمكن ان تُوصف بأنها تأمليه فقط او حزينه او رومانسيه فقط.

بيتهوفن عندما كتب هذه السوناتا كان مهووسا بفكرة واحده؛ المسافات الثالثه. كوَنت هذه الفكره أغلب الالحان و انصاف الالحان و الهارموني المصاحب في كل الحركات الاربع، أشبع السوناتا تماما بها.

الموسيقى، أي نوع من الموسيقى، تستند إلى نظام نغمي مألوف و فطري لدى الأذن البشريه، اعني بالنظام هو المسافات المحدده مسبقا بين النوتات السبعه، لكل نوع من السلالم مثلا سلم الميجور او سلم المينور هناك نظام للمسافات التي تفصل بين نغمة و أخرى، أحد أهم قواعد هذا النظام هو العلاقه بين النوتة الأولى والنوتة الخامسة من السلم نفسه. عندما تبدأ اي قطعه موسيقيه فإنها تبدأ من ذلك المفتاح الأول (Tonic)، لتُحدد السلم للمُستمع (مثلا: قطعه مكتوبة على سلم G ميجور، فإن أول نغمه أو أول كورد يجب أن تكون على نغمة G ميجور) ثم بعد خروجها من المفتاح الأول (البيت الذي وُلدت فيه) تبدأ الموسيقى في رحلة بحث عن مكان تلتجأ إليه، عن درجة صوتيه تستقر فيها؛ المفتاح الخامس أو مايسمى بالدومننت (Dominant). لتعود وتختم رحلتها بعودتها للبيت (المفتاح الأول).

هذا النظام الفطري للموسيقى عُبث به في أوائل القرن العشرين واختَرع الموسيقي شونبرغ ما يسمى بالموسيقى الغير نغمية (Twelve-tone technique) و التي لاتستند حسب معرفتي لأي نظام يربط النغمات ببعضها. فوضى من الأصوات الغريبه لاتسلك طريقاً واضحاً ليصل بنا إلى هدف نهائي.

هناك تسميه أخرى للنظام النغمي المعروف تحدث عنها الاستاذ والبيانِست “ Jonathan Biss”  يقول ان النغمة الأولى من السلم تُعبّر عن الزمن الحاضر، والخامسة تُعبّر عن رؤيتنا للمستقبل، والنغمة الرابعة (Subdominant) تعود بنا الى ماحدث في الماضي، والثالثة تعطي شعوراً بلانهائية الكون .

في هذه السوناتا بيتهوڤن لم يُوظف المفتاح الخامس بشكل كافي و تجاهل قاعدة أساسيه في الموسيقى، و بدلاً من الخامس وظّف بشكل أساسي المفتاح الثالث، ربما ليغرّق القطعه بالشعور باللانهائيه و يأخذنا برحلة معدومة الحدود، لانعرف بدايتها من نهايتها.  ينطبق ذلك الشعور كثيرا على الحركة الثالثه (الأداچيو) من سوناتا الهمركلاڤير، الحركة الأطول في السوناتا بكاملها. والتي وصفها عازف البيانو كيمبف بالتالي :

“ … لم تُكتب من قبل أداچيو بهذه الضخامه و بهذا التطلع، في هذه الأداچيو بيتهوڤن يستعرض أعمق أبعاد روح الانسان، والذي لم يكن باستطاعته الوصول لها لولا مساعدة وحي إلهي ..”

تجدون هنا الأداجيو معزوفةً من ألفريد بريندل، و كذلك المقاطع المقتبسه القادمه هي من نفس التسجيل :

تُفتتح هذه الحركه بكوردات عميقه يتخللها اللحن الرئيسي الأول معزوفاً على مفتاح F#، اللحن يُغرقنا بالشعور بوحدة جاثمه وحزن ثقيل، و يُحيطنا بمكانٍ مُوحش، بارد و مظلم..

hammerklavier mov3 theme 1

https://adagioclassical.com/wp-content/uploads/2015/04/hammerklavier-mov3-theme-1.mp3

وفي وسط هذه الظروف يظهر اللحن الثاني كخيط من أمل سماويٍ مشرق، ومكتوبا على مفتاح G ميجور

hammerklavier mov3 theme 2

https://adagioclassical.com/wp-content/uploads/2015/04/hammerklavier-mov3-theme-2.mp3

فتُثار محاورات بين اللحنين تنتهي بنقلة transition يصبح اللحن فيها مشرقا ومُنسابا بعفويه و الريثم سهل الملاحظه، ليبدأ بعدها باستعراض ألحان فرعيه صغيره اغلبها يعتمد تركيبها على المسافه الثالثه، حتى يصل لتطوير سريع لتلك الالحان الذي لم يزد على صفحة واحده، ثم في جزء اعادة تلك الألحان (والذي من المفترض ان تكون الألحان فيه كما كُتبت أول مره) قام بيتهوفن بإعادة اللحن الرئيسي الأول بشكل عجيب كما لو انه أُولّف من جديد ليمثل هذا الجزء لحظه الذروه (Climax) في حركة الاداچيو بكاملها.

https://adagioclassical.com/wp-content/uploads/2015/04/hammerklavier-mov3-climax.mp3

و بعد ان اختتمت هذه الأداچيو الاستثنائيه بخاتمه هادئه لاتكاد تلاحظ ابتدأت الحركة الرابعه و كأنها إفاقة من حلم عميق بنوتة F معزوفة على كل الدرجات الممكنه من اخفضها الى اعلاها ثم تعزف كوردات عديدة تبدو وكأنها محاولة ايجاد المفتاح الصحيح

F ؟ لا

 C# ؟ ايضا لا

A# ؟ ربما

F# ؟ جيد،  ثم ينساب لحن سريع على هذا المفتاح ليقف فجأه و كأن المفتاح الذي اختاره لم يكن مناسبا فيعود لاختياراته

D# ؟ لا

B Maj ؟ نعم !

https://adagioclassical.com/wp-content/uploads/2015/04/hammerklavier-fugue-1.mp3

و هكذا يستمر بالتبديل بين المفاتيح حتى يصل الى المفتاح الأصلي لهذه السوناتا B♭major عندها يعزف اللحن الرئيسي للفيوچ، ذلك اللحن الذي لايضاهي اي لحن فيوچي آخر، صعب للغايه و طويل بحيث يصل الى أحد عشرة مازوره، كروماتيكي (لايستند الى مفتاح معين)، و عوضا عن ذلك يبدأ هذا اللحن بالتريلز، هذه الاداه التي لاتزيد على ان تكون زخرفة ثانويه، جعلها بيتهوڤن عنصراً أساسياً للحن فيوچي ! ، بهذا تفوق بيتهوفن على باخ الماستر الأول لقالب الفيوچ.

hammerklavier mov4 fugue theme

https://adagioclassical.com/wp-content/uploads/2015/04/hammerklavier-fugue-theme.mp3

استخدم بيتهوڤن كل فكرة ممكنه ليصنع الفيوچ، جعل الالحان تتداخل ببعضها و تتبادل تكملة اللحن على درجاتها الصوتيه المختلفه، جعل الالحان متعاكسه كما تتعاكس الصور في المرآه، و استخدم أداة الريتروچريد التي يتراجع فيها اللحن إلى الخلف (فتكون أول نوتة فيه هي آخر نوته و آخر نوتة هي الأولى) و في خضم هذه الفوضى المعقده من الاصوات الغير مترابطه و كأنها موسيقى القرن العشرين الغير نغميه (التي اخترعت بعده باكثر من قرن) يظهر لحن كورالي يعود بنا إلى ألحان العصور الوسطى المونوفونيه (خط لحني واحد) هادئ و مشبع بالسلام الروحي .

https://adagioclassical.com/wp-content/uploads/2015/04/hammerklavier-fugue-choral-theme.mp3

مذهل كيف استطاع بيتهوڤن أن يجمع موسيقى الكون بأكمله في مقطوعة واحدة و هو فاقد تماما حاسة السمع.

عازف البيانو كيمبف  وصف هذه الحركه بالتالي :

 “.. و ذلك الفيوچ العظيم تأليفٌ عجيب، الذي يجب أن يُقرأ بدلاً من ان يُسمع. فن الكاونتربوينت بأكمله اجتُمع بجرأة مذهله. وأكثر من ذلك، بيتهوڤن كتب عليها كلمات قليله تُفهم وكأنها اعتذار: ” فيوچ مع بعض الاباحات” و بهذه الاباحات تكمن أصالة هذه الفيوچ. هكذا بيتهوڤن يضفي روحاً جديده لهذا القالب المهيب. و لكنه مع ذلك لم يتلفها. هو يحترم القوانين العريقة للفيوچ. فالأصوات المختلفه التي تتطور بحرية تعود بالنهايه لتُطيع القوة الخارقة للهارموني. لايوجد فوضى هنا، بل احترام عميق للقوانين الأبديه التي دائما ماتنظم حركات النجوم والكواكب. بالنسبة لي هذه فعلا موسيقى كونية.”

من الواضح ان هذه السوناتا من المستوى الرفيع جدا، الكثير من العازفين المشهورين والخالدين لم يتجرأوا و يخوضوا تجربة عزفها، او ربما لم يجدوا فيها مايرغبون بالتعبير عنه من خلالها، وجدت عدة عازفين من مدارس مختلفه ابدعوا في عزفها كلٌ و رؤيته الخاصه التي يصعب شرحها و تتضح بالاستماع بشكل أفضل، اخترت الحركة الأولى المشرقه و الحيويه لتظهر قدرات العازفين كما في الفيديو :

 و للاستماع للعمل بأكمله تجدون عزف السوڤييتي الراحل چيللس في حفلة موسكو كونسرفتوار عام 1984

التشيلّو سويت ل باخ

31 السبت جانفي 2015

Posted by Adagio in قصة تُحكى

≈ تعليق واحد

الوسوم

آلات موسيقيه, باخ

J.S.-Bach

الحقيقه انني احترت عند كتابتي لهذه التدوينه بين تركيزي على السويت او الكتابه عن مؤلفها العظيم او عن تلك الآله الساحره ؟

باخ، البحر الموسيقي.. لايمكن الكتابه عن احد اعظم عباقرة الموسيقى بهذه السهوله و بهذه البساطه، أعماله التي وصلت الى مستوى إلهيٍ من الكمال والمثاليه استمرت في تشكيل الموسيقيين منذ ثلاثه قرون وستستمر في ذلك مادامت الموسيقى موجوده. ظهر باخ في عصر الباروك بالرغم من الامكانات البدائيه للآلات الموسيقيه في ذلك الوقت، و وعي المستمعين الفقير في الموسيقى والجهل بالعلم الكائن وراءها، فقد كان الهدف الرئيسي منها هو تقديس الإله من خلال الكنيسه ولم تكن تُعزف الموسيقى للجمهور الا بداخل الكنيسه ويتلقاها المستمعون الزاهدون بالدنيا والذين لايكادون يبذلون جهداً في الانتباه لما تسمعه اذانهم من اعمال عظيمه غيرت تاريخ الموسيقى من بعدها.

عندما يكتب باخ قطعه موسيقيه فهو يكتب للكمال الموسيقي ليُجاري بذلك مجد الإله، لا ينتظر تقديراً او فهماً من الذين يسمعونه، ولا تحدّه بساطة الآلات الموسيقيه في عصره، حتى انه في عمله الأخير The Art of Fugue لم يحدد الآله أو الآلات التي ستعزفها ( الفيوچ: لحن وحيد يتكرر على طبقات الصوت الأربع ليكوّن خطوط متلاحقه تندمج و تتشابك بشكل متناسق) و ترك هذه المهمه للاجيال القادمه من الآلات الموسيقيه الحديثه. حاليا تُعزف هذه الفيوچ على البيانو، اكثر الآلات قدرته على دمج اصوات متعدده بمداها الكامل. واحيانا تُعزف على الوتريات. ولكن حينما ينوي باخ الكتابة على آلة محدده فهو يستخرج منها كل الامكانات المستطاعه لترضي الكمال الذي يتوق اليه. هنا استطيع عن اتحدث عن التشيلّو سويت..

775px-Frederick,_Prince_of_Wales,_and_his_sisters_by_Philip_Mercier

اللوحه للرسام Philip Mercier تصوّر أمير ويلز “فريدرك” وهو يعزف التشيلو برفقة اخواته الثلاث. رسمت عام 1733.

التشيلّو آلة دافئه، عميقه و ربما استطيع أن اقول انها حكيمه، تماما كروح باخ. و الأحن من هذا كله انها اُعتبرت أقرب الآلات لصوت الانسان. لها اربع أوتار و يجمع مداها الصوتي طبقات الأصوات الأساسيه، من السوبرانو حتى البيز، و غالبا ماتتبع تقنيات العزف الخاصه بالوتريات. لا عجب ان باخ اختارها ليكتب لها السويت السته. في حين اعتبرت هذه الآله مكمله للوتريات و مخصصه لملئ الفراغ في الأعمال الاوركستراليه و غير قادره على عزف موسيقى متكامله باللحن والهارموني معاً، اي انها آله مونوفونيه ( وحيدة البُعد الموسيقي) تعزف خطاً واحدا فقط. و لكن باخ لم يقلل من قدرتها و كتب لها في هذه السويت موسيقى بولوفونيه ( متعددة الأصوات ) بشكل ضمني و في خط واحد! لاتظهر تلك الموسيقى البولوفونيه الا عند الاستماع بحيث جعل بعض النغمات تظهر و تنطبع في ذهن المستمع اكثر من نغمات اخرى لتشكل بذلك كوردات (هارموني) توازن اللحن و تكمله. و لكن حينما يغفل العازف و المستمع عن إدراك تلك الابعاد الضمنيه في بعض أعمال باخ فإنه من المحتمل ضياع الميزه الأساسيه في موسيقاه وبالتالي التقليل من قيمتها. باخ يعزف الكمان و الاورچن بمهاره و لم يعزف التشيلو و لكنه عندما كتب هذه السويت كتبها كمن يعزف الاله، كانت كل الالحان ممكنه العزف على التشيلو الباروكي الذي كان اصغر حجما عن التشيلو الحالي و كانت أوتاره خمسة بدلا عن الأربعه الحاليه، عوضاً عن الفرق الأساسي؛ الماده التي صُنع منها الوتر كانت من أمعاء الأغنام و الآن يُصنع من مواد معدنية. والقوس (الأداه التي تعزف على الأوتار) الذي تختلف تقنيات عزفه عن القوس الحالي.

للأسف دُفنت تلك السويت منذ كتابتها و ظلت مهمله من القرن الثامن عشر باعتبارها ليست أكثر من تمارين للعازف وانها لم تكن صالحه لمتعة الجمهور حتى اكتشفها عازف التشيلّو المشهور “پابلو كازالز” في مكتبه موسيقيه و مسماه باسم مُظلل ( ايتيود سويت) و ظل يعزفها و يدرسها صباح كل يوم حتى تجرأ بعزفها امام الجمهور بعد اثنتي عشرة سنه، ولم يقبل بتسجيلها وتقديمها بشكل يليق بها الا عند تجاوزه عمر الخمسين..

“ فجأه اقتربت من حزمة من الصفحات، متداعيه وألوانها باهته مع العمر، كانت السويت من يوهان سباستيان باخ – للتشيلو فقط !…. أنا لم اسمع أبداً بوجود هذه السويت؛ لم يسمع بها أحد، حتى أساتذتي لم يذكروها لي أبداً… رجعت للبيت مسرعاً، ممسكاً بالسويت و كأنها تاج من الجواهر، و حالما دخلت غرفتي تمعنت فيها. قرأتها و عدت قراءتها. كنت بعمر الثالثة عشر في ذلك الوقت، و لكن ذهولي بما اكتشفت استمر في النمو طوال السنوات الثمانون التاليه. هذه السويتز فتحت عالما جديدا كليا. بدأت بعزفها بحماس لايوصف، أصبحت أعز موسيقى لدي. درستها و عملت عليها كل يوم في السنوات الاثنى عشر التاليه.“

بعد أن انتشر تسجيله للسويت سنه 1939 توالت التسجيلات و كثرت الدراسات حولها و اصبحت الآن تجاري شهرة أحد أعمال بيتهوفن وخصوصا البريلود في السويت الأولى :

كثير من عازفي التشيلو هم أشخاص استثنائيون، ربما يعود ذلك لتأثير الآله.. پابلو كازالز، الانسان بكل طهاره، شهرته لا تُنسب فقط لاكتشافه السويت و لكن الطريقه التي يعزف بها بسهوله و طبيعيه وكأن التشيلّو أحد اعضاء جسمه، وقيادته المميزه للاوركسترا التي تعبر عن مفهومه العام للموسيقى والحياه وأهمية البساطه والتوجه نحو الطبيعه ونبذ كل ماهو مصطنع و كاذب، و دعوته للسلام في كل مناسبه كما علمته أمه بالرغم من ولادته وسط الحروب.. هنا أحد خُطبه :

“ ماذا نُعلم أبناءنا ؟ نعلمهم أن اثنين و اثنين يكونون أربعه، وأن باريس عاصمة فرنسا. متى سنعلمهم مَن يكونون ؟ يجب أن نقول لكل منهم: هل تعلم من أنت ؟ أنت معجزه. آنت استثنائي. في كل السنين التي مرت، لم يُخلق طفل مثلك، بمثل قدميك، يديك، اصابعك الماهره، والطريقة التي تمشي فيها. ربما ستكون شكسبير، مايكل انجلو أو بيتهوڤن. لديك القدرة ان تكون أي شئ. نعم أنت معجزه. و عندما تكبر، هل ستؤذي شخصاً معجزه آخر؟ يجب أن تعمل، يجب علينا جميعا أن نعمل لنجعل هذا العالم جديرٌ بأن يعيش فيه أطفاله.”

في الفيديو كازالز يعزف أغنية من تأليفه في حفل منحه وسام السلام للأمم المتحدة تقديرا لموقفه من أجل السلام والعدالة والحرية وهو بعمر 94..

السويت الباروكي عادة مايحوي مجموعة من الرقصات الأوربيه تشتهر فيها كل بلده بحيث تستعرض كل رقصة بصوتها الخاص الثقافه واللغة والتاريخ التي خرجت منه، وتُعطي انطباعاً بشكل ما عن شخصيه الفرد في ذلك البلد. تُعبر هذه الرقصات بمختلف ألوانها عن البهجه، التراجيديه، الدراما والشاعريه و تلامس الروح قبل القلب..

 – الألماند Allemande ؛ رقصة ألمانيه تكتب على الريثم الاعتيادي 4\4 ، وصفها أحد طلاب باخ بأنها “ صورة للروح الراضية، التي تتمتع بالهدوء و التنظيم”.

ألماند من السويت الأولى:

 – الكُورانت Courante ؛ رقصة الارستقراطيين الفرنسيين، هي المفضله للملك لويس الرابع عشر .غالبا ماتكون على ريثم 3\4 ، و توصف بأنها مشبعه بالامل الحلو، و فيها من التوق و الابتهاج في اللحن.

كُورانت من السويت الأولى:

 – السراباند Sarabande ؛ رقصة أسبانيه تُرقص ببطئ على الريثم 3\4 .شاعريه بدرجة أولى، وتمثّل نقطة راحه و تأمل من بين قطع السويت. باخ استغل سرعتها البطيئه ليملأها بوقفات و كوردات صعبه العزف في السرعه العاليه.

سراباند من السويت الأولى:

– المِنيوَت Minuet ؛ رقصة إيطاليه سميت بذلك لانها تصف الخطوه الصغيره التي يخطوها الراقص. أحيانا تكون على المفتاح السعيد (major) او الحزين (minor). و يغلب عليها طابع الحركه ولكنها ليست سريعه، تكتب أيضاً على الريثم 3\4.

منيوت من السويت الأولى:

 – البوري Bourrée ؛ رقصة الفلاحين الفرنسيين، غنيه باللحن و مُبهجه، سريعه ولكنها ليست بالمستعجله و فيها لزمة توكيديه عند كل إيقاع، و دائما ماتكون على الريثم الاعتيادي 4\4.

بوري من السويت الرابعة:

– الچاڤوتي Gavotte ؛ رقصة فرنسيه شعبيه، معروف عن هذه الرقصه انها حيويه ومفعمه بالحياه، مهتاجه وغير سلسه. تُكتب على الريثم 2\2.

چاڤوتي من السويت السادسه:

– الجيچ Gigue ؛ رقصة أصولها ايرلنديه بريطانيه، اشتهرت في عصر الباروك ويعود معناها لكلمة (وَثب فرحاً). حيويه و فيها لزمة توكيديه عند الإيقاع الثالث. يختلف الريثم الذي تُكتب عليه ولكنه غالبا مايكون 6\8.

جيچ من السويت الرابعة:

تتكون السويت الواحده من خمس رقصات تكتب جميعها على نفس المفتاح و نفس السلم و تبدأ بالمفتاح الأول ثم الخامس و تنتهي بالأول، كل رقصه كتبت بجزئين و كل جزء يعاد ليسمح للعازف بالتعبير عنها بشكل مختلف عن العزف الاول فيما عدا البريلود التي تُفتتح فيها السويت لا تُعاد ألحانها. البريلود؛ مقدمه حُره قبل البدء في العزف الحقيقي بحيث تقدم الفكرة الاولى عن المفتاح الذي ستعزف فيه و عن الشخصيه الاساسيه لهذه السويت، تتمتع بحريه في الشكل بحيث لايوجد ريثم معين يجب ان يُتبع وغالباً مايكون تأثيرها آكبر على المستمع، ومن الممكن ان تكون قطعه مستقله عن العمل بأكمله.

بريلود من السويت الثانية:

عند الاستماع للسويت نجد اختلافا واضحا بين العازفين، اختلافا في بعض النوتات الأساسيه في اللحن بسبب عدم وجود النسخه الأصليه من خط باخ و النسخه المتبقيه هي من كتابة آنا ماچدالينا (زوجة باخ الثانيه) و لوحظ فيها بعض الأخطاء لهذا تعددت الدراسات والبحوث عن السويت و أُصدرت الكثير من النسخ تحرياً للنسخه الأصح والتي يُعتقد انها الأقرب لما كان ينويه باخ عند كتابته للسويت. وايضا يعود الاختلاف بين العازفين الى انه في عصر الباروك لم يكن متعارف كتابة الداينمك* على العمل الموسيقي بشكل واضح، لم يظهر الاهتمام في كتابته الا في عصر الكلاسيك لهذا نجد بعض النوتات معزوفة بقوه في حين نفس النوتات عُزفت من عازف اخر بصوت عادي او هادئ. و هنالك أيضا توجهات او مدارس للعزف وينطبق ذلك على اي آلة موسيقيه، ربما استطيع ان احدد سمتين أساسيتين من بين تلك التوجهات ؛ الأولى محاوله العازف ابراز شاعريه القطعه الموسيقيه والتعبير من خلالها عن مشاعره الخاصه. و الأخرى هي توجه العازف للصحه والدقه العلميه في القطعه الموسيقيه و النظر في سجلها التاريخي. بالطبع السمتين مهمتين و لا يجب ان يُهملوا و لكن احيانا تطغى إحداها على الأخرى .

* المقصود بالداينمك هو درجة علو او انخفاض صوت العزف في مقاطع معينه ليسمح بتباين التعبير وابراز بعض الجمل الموسيقيه او اخفاءها؛ علامه فورتيه f اي علو صوت العزف، پيانو p اي انخفاضه ؛ كذلك الارتفاع التصاعدي لصوت الجمله الموسيقيه او غالبا السلم كريشِندو (crescendo) ؛ وايضا الانخفاض التنازلي في الجمله ديمنويندو (diminuendo)

rostropovich-plays-for-a-united-berlin-1387209943-article-0

حاليا تُعزف هذه السويت في المناسبات الرسميه والحزينه أحيانا، صوت التشيلّو له دور في ذلك، بالرغم من ان السويت مكوّن من رقصات، ولكن ليكسر عنها هذه الصوره الكئيبه قام عازف التشيلّو الروسي ‘روستروبوفيتش’ بعزف مقاطع منها عند جدار برلين احتفالا بسقوطه.

تشايكوڤسكي

03 السبت جانفي 2015

Posted by Adagio in قصة تُحكى

≈ التعليقات على تشايكوڤسكي مغلقة

الوسوم

تشايكوڤسكي

Screen Shot 2015-01-01 at 3.14.04 AM

 الموسيقى هي أجمل هدايا السماء للبشرية الهائمة في الظلام، وحدها تُهدئ، تنير، وتسكّن أرواحنا

بدأ شغف أحد اعظم الموسيقيين الرومانسيين بالموسيقى عند سماعه الأول لأوبرا موتسارت “دون چيوفاني” من صندوق موسيقي بدائي، كانت تلك الموسيقى تتردد في رأسه لأسابيع ولايكاد يمل عزفها على البيانو، ألهمه “مسيح الموسيقى” كما يسميه تشايكوڤسكي طوال حياته بالموهبه الموسيقيه التي بدأت بالظهور منذ عمر الرابعه عندما كتب قطعه موسيقيه لأمه حينما رحل عنها ليتعلم في مدرسة داخليه، ولأنه “الرجل الزجاجي” فقد تأثر بهذا الابتعاد أشد التأثر.

 كانت موسيقى موتسارت بالنسبة له تجسيداً للجمال الإلهي في شكل الإنسان، لقد كان الموسيقي المثالي من جميع النواحي بالنسبة له ، كان كتاب البيوچرافي عن موتسارت الذي كتبه الألماني أوتو چان لا يكاد يفارق طاولة قراءته، وحين يحضر أحد الحفلات التي يُعزف فيها لموتسارت ينزوي في مكان بعيد عن ملاحظة الناس حتى يتسنى له الانفعال بحريه مع تلك الموسيقى الإلهيه.

 لقد أيقظ فيّ حماساً مقدساً ما أزال أقطف ثمراته حتى الآن.. لموتسارت الفضل في أنني وَهبت حياتي للموسيقى. أعطاني الدافع الأول لقواي الموسيقية و جعلني أحب الموسيقى أكثر من أي شئ آخر في هذه الدنيا

 بالرغم من موهبته الموسيقيه الا انه اختار دراسة القانون، اختياره لم يكن غير عقلاني بسبب وضع التعليم الموسيقي في ذلك الوقت، لم يكن هناك تعليم أكاديمي و لامعاهد موسيقيه قائمه وكان التعليم يجري على ايدي اساتذه خصوصيين فرنسيين او ايطاليين ، هذه البيئه ليست سيئة او عديمه النفع فقد خرج منها “چلينكا” الأب الموسيقي لكل الروس والذي كان له الفضل في بناء الصوت الروسي (يشبه في وضعه باخ بالنسبه للألمانيين) ، ولكن “روبنشتَين ” الموسيقي وعازف البيانو المحترف أنقذ الموقف بتأسيسه لأكاديميه موسيقيه تدرس الموسيقى بثقافه أوربيه ولكن بلغه روسيه لأول مره! فقد كانت تُدرس بالفرنسيه او الألمانيه. تشايكوڤسكي لم يفوت هذه الفرصه وانضم مع أول الطلاب في الاكاديميه و ترك مسار القانون بعد عمله ثلاث سنوات في وزاره العدل.

فور تخرجه من المعهد عُين أستاذا فيها و درّس الهارموني وكتب كتابا علميا عنه تُرجم لعدة لغات، ازدهرت موهبته الموسيقيه وكتب حينها أول أعماله الكبيره ( البيانو كونشرتو الأولى) المشهوره بافتتاحيتها العظيمه والتي لم تنل رضى معلمه روبنشتيَن في أول عزف لها ، لاختلافها مع توقعاته كعازف بيانو محترف ولم ينظر للكونشرتو بمنظور موسيقي متكامل بجمال ألحانها و بتركيبتها و معانيها، تشايكوڤسكي كان ناضجاً موسيقياً حينما كتبها و لم يكن يحتاج تعلم المزيد منه او من غيره، لهذا كان رده على نقد روبنشتَين بعدم تغيير نوتة واحده من الكونشِرتو.

موسيقته المشبعه بالروح الروسيه كما هو الحال في قصائد بوشكين وأغاني چلينكا، و موهبته الجليه في صياغة ألحان رومانسيه خالصة العذوبه بنزولها وصعودها على أوتار الكمنجات أو الأوتار الخفيه لآلات النفخ، ببلاغتها العظيمه وانفعالها القوي، المدعومة بخبرة كبيره في الهارموني والأوركستريشن الغني بألوان الآلات وباستخدامه الغير مسبوق للاغاني الفولكريه في قوالب موسيقيه كبيره ومعقده كالسمفونيات. جعلت منه الأيقونه الرومانسيه للموسيقى الروسيه.

 كبرت في الريف و تشبعت منذ صغري بالجمال الغير مفسر للسمات التي تميز الأغاني الفولكريه، لهذا أنا أحب بشغف أي تجليٍ للروح الروسية. باختصار، أنا روسي بكل معنى الكلمه.

 تشايكوڤسكي دائم النقد لذاته لعدم قدرته على الالتزام بالقالب الموسيقي ( اعني بالقالب الموسيقي الشكل العام الذي تُبنى على أساسه القطعه الموسيقيه كمثل قالب السوناتا،الروندو ،المنيويت الراقص، التريو الثلاثي، وغيرها) وقد اعترف بذلك في احد رسائله :

مؤلفاتي لن تصبح أبداً مثالا جيداً للقالب الموسيقي الصحيح، أستطيع فقط تصحيح الأخطاء بمساعدة طبيعتي الموسيقيه. ولكن لا أستطيع تغيير جوهر ما كتبت.

من الواضح انه لا يتوافق مع العمل المقولب الذي يلزمه بحدود معينه والفنان لايبدع الا في فضاء من الحريه. سمفونياته الثلاث الاخيره الاكثر شهره لم تكن جيده من ناحية البناء القالبي ولكن ألحانها الرئيسيه والالوان الموسيقيه والافكار المتنوعه والمتجدده فيها وصلت لقلوب الناس قبل عقولهم وبالمقابل سمفونيته “مانفريد” التي تعتبر من افضل الأعمال (قالبياً) ليست مشهوره و بالكاد تُسمع. اذن ماهو المقياس للعمل الموسيقي الجيد؟ باعتقادي أن العامل المهم في الموسيقى هو اللحن الرئيسي والذي لايضاهي تفوق  تشايكوڤسكي فيه أي موسيقي اخر و بالطبع الهارموني الجيد الذي يتوافق معه، ثم الاوركستريشن الذي يُوفق فيه تشايكوڤسكي بحنكه و ذائقه فائقه باختيار الآلات المناسبه للحن المراد التعبير عنه من خلال الآله الموسيقيه،، الموسيقى ليست قوالب! بل هي الطريقة الأبلغ للتعبيرعن مابداخلنا ويمكن أن تؤدي القوالب دور التنظيم فقط

220px-Nadezhda_von_Meck

ناديزدا ڤون ميك

 في عام 1876 تلقى تشايكوڤسكي رساله من “ناديزدا ڤون ميك” تُعبر فيها عن إعجابها وتقديرها لأعماله الموسيقيه، ڤون ميك أرمله وأم لسبعة أبناء، لها مكانتها الرفيعه في المجتمع وتَعني الموسيقى لها الشئ الكثير، فما كان من تشايكوڤسكي الا ان يرد لها بشكرها على كلماتها المشجعه. و بعدها توالت الرسائل بينهم. وجد تشايكوڤسكي فيها الصديق الروحي والمثقف و المساند، كان كثيرا ما يراسلها بكل تفاصيل حياته وموسيقاه ويتناقشون حول الموسيقى والفلسفه،، الغريب أنه بالرغم من وجود علاقة نسب بينهم في العائله وارتباطهم بصداقات مشتركه مع العديد من الأصدقاء، الا انهم لم يلتقوا طوال 14 سنه واكتفيا بالمراسله.

 في نفس السنه التي تلقى فيها تشايكوڤسكي رساله من ڤون ميك، تلقى رساله أخرى من (انتونينا) إحدى طالباته السابقات التي لايتذكرها تشايكوڤسكي حتى، تعترف فيها بحبها العظيم له و الذي دام اكثر من عشر سنوات صامته، كانت انتونينا بعمر ال28 و لم يقبل قلبها سواه طوال تلك السنين، تشايكوفسكي الذي كان يعكف على كتابة اوبرا (اونيجن) المأخوذه من نص الشاعر بوشكين، والتي تتمثل قصتها عن حب عقيم من تاتيانا ل اونيجن الشاب المتكبر الذي رفض حبها و استهتر برسالتها المشبوبه بالعاطفه، تشايكوڤسكي لم يكن يريد ان يصنع من انتونينا تاتيانا اخرى فعرض عليها الزواج بعد عدة مراسلات بينهم بالرغم من انها لم تحرك قلبه لكنه قرر الزواج بها تقديرا لحبها و عطفا على وضعها و آملا ان يحبها بعد الزواج و لكي يُسكت الشائعات التي كثرت حول كونه مثلي الجنس. كتب رساله لڤون ميك:

.. يبدو و كأن قوه القدر تجرني لهذه الفتاه

تشايكوڤسكي و أنتونينا في شهر العسل

تشايكوڤسكي و أنتونينا في شهر العسل

هذا القدر الذي حاول تصويره بنفخات من الهورن في افتتاحية سمفونيته الرابعه. لم يستمر الزواج طويلا وكان تأثيره عظيما عليه , لم يكن يستطيع التقرب من تلك الفتاه فوجد نفسه في مأزق لم يعرف الخروج منه الا بمساعدة اخوه و ڤون ميك فأنهيا هذا الزواج الفاشل والذي أدى  تشايكوڤسكي بمحاولة الانتحار ورمي نفسه ليلاً في النهر آملا ان يصيبه التهاب رئوي ينهي حياته ,ففقد الوعي لمده يومين إثر تأثره النفسي الشديد.

ڤون ميك المرأه الفاضله ساعدت تشايكوڤسكي في ظرفه و دعمته معنوياً ومالياً فاشترت الحقوق الأدبية لبعض أعماله و تعهدت له بمصروف سنوي يغنيه عن العمل كمدرس في المعهد و يتفرغ للتأليف, تشايكوڤسكي بدوره أهدى لها سمفونيته الرابعه (إحدى أشهر أعماله), و شرح لها فكرة السمفونيه بكل حركاتها في رساله ..

في سنة 1893 كان تشايكوڤسكي منشغل بالزيارات الموسيقيه في أوربا و أثناء ذلك خطرت له فكرة سمفونية جديده “پاثتيك” (مقال مفصل عن سمفونيه پاثتيك)، وقد كتب في أحد رسائله إلى ابن أخيه، الذي أهدى له هذا العمل فيما بعد، أنه كان يذرف الدموع كلما خطرت له احد مقاطعها:

يجب أن أحكي لك كم أنا سعيد بهذا العمل. كنت قد بدأت رحلتي، خطرت لي فكرة لسمفونية جديده، هذه المره تكون ببرنامج* و لكن برنامجاً من النوع الذي يبقى لغزاً عن الجميع، فليُخمنوه ان استطاعوا ذلك. البرنامج يتخلله مشاعر (رؤية) شخصيه. خلال رحلتي كنت كثيراً ما أذرف الدموع حين أؤلفها بعقلي ، الآن و قد عدت لمنزلي و جلست أكتب مسودة العمل، تقدمت فيه بحماسة كبيره وفي أقل من أربعة أيام أنهيت الحركة الأولى، بينما باقي السمفونيه موجز بوضوح في عقلي، سيكون هناك الكثير من الروايات بخصوص القالب لهذا العمل، مثلا ،الحركة الأخيره لن تكون أليچرو عظيم بل ستكون أداچيو لأسباب جديرة بالاعتبار. لن تتخيل السعادة التي أشعر بها عندما أرى أن يومي لم ينتهي بعد فاستطيع ان انجز أكثر..

* البرنامج Programme يقصد فيها النوع من الموسيقى الذي يُعبر عن رساله او قصة مشهوره او شخصيه من خلال الموسيقى, مثل شهرزارد للموسيقي رمسكي ،،

لم يكن يدرك انها ستصبح قداس موته فقد مات بعد اسبوع من أول عرض لها اثر اصابته بالكوليرا, كان فخورا بنفسه لانه انجز هذا العمل الذي حاز على كامل رضاه، ولكن موته المفاجئ والحزن اليائس الذي كان يملأ السمفونيه وبالأخص الحركة الأخيره والألحان الرئيسية التي يغلب عليها طابع النزول؛ اعني السلالم التنازليه التي صنع منها تشايكوڤسكي ألحانا عديده، كل تلك الأمور أثارت الشائعات حول موته وانه أراد إنهاء حياته واستخدم المرض وسيلة ليبدو وكأنه مات ميتة طبيعيه،، ولكن كيف أصيب بالكوليرا ؟

في أحد الأيام الاحتفاليه التاليه للعرض الأول من پاثتيك ذهب تشايكوڤسكي بصحبة اخيه موديست و الموسيقي چلازينوڤ لتناول العشاء في احد المطاعم فطلب تشايكوڤسكي كأساً من الماء في الوقت الذي كان ڤايروس الكوليرا يملأ روسيا، كان من المفترض غَلي الماء و تعقيمه قبل تقديمه و لكن اتضح انه لم يكن مغلياً ففي اليوم التالي استيقظ تشايكوڤسكي وهو يعاني آلاماً فضيعه في معدته لم تفارقه حتى توفي بعد ثلاثة أيام كان يهذي خلالها باسم ڤون ميك.

أمن الممكن أنه كان يعرف أن الكأس لم يُغلى و شربه عن قصد ؟!  في نفس اليوم قبل ذهابه للمطعم كان قد التقى مع صديقه الممثل فارلاموڤ وراء كواليس إحدى مسرحيات أوستروڤسكي وكان من بين كلماته:

أشعر أنه يجب علي أن أعيش فترة أطول

كيف يمكن أن ينتج الانسان عملاً عظيماً كهذا العمل وهو في أدنى درجات اليأس؟ كيف يمكن أن يتوافق الافتخار مع اليأس؟

من العجيب ان تشايكوڤسكي اختار قطعة لموتسارت ليقودها (المايسترو الذي يقود عزف الفرقه الموسيقيه) بعد ان قاد العزف الأول لپاثتيك كعرفان و شكر لملهمه الأول والذي انتهت حياته وهو يكتب قداسه على فراش الموت ولم يكمله. ان الشبه عجيب بين النهايتين.

قبره في سانت بطرسبرغ - روسيا

قبره في سانت بطرسبرغ، روسيا

السؤال الذي يَلح علي الآن .. أهو الفن الذي يُحاكي حياة الفنان، أم أن حياة الفنان هي التي تُحاكي فنه ؟

التصنيفات

  • Uncategorized
  • قصة تُحكى
  • تحليل موسيقي

أحدث التدوينات

  • فرانز شوبرت أوت 6, 2016
  • رحلة الشتاء أوت 5, 2016
  • سوناتا الهَمركلاڤير لِبيتهوڤن أفريل 26, 2015

المدونة على ووردبريس.كوم.

  • اشترك مشترك
    • اداچيو
    • ألديك حساب ووردبريس.كوم؟ تسجيل الدخول الآن.
    • اداچيو
    • اشترك مشترك
    • تسجيل
    • تسجيل الدخول
    • إبلاغ عن هذا المحتوى
    • مشاهدة الموقع في وضع "القارئ"
    • إدارة الاشتراكات
    • طي هذا الشريط
 

تحميل التعليقات...