• About

اداچيو

~ الكُل مترابط بتمهلٍ و جلال

اداچيو

Tag Archives: سوناتا

سوناتا الهَمركلاڤير لِبيتهوڤن

26 الأحد أفريل 2015

Posted by Adagio in قصة تُحكى, تحليل موسيقي

≈ 3 تعليقات

الوسوم

بيتهوڤں, سوناتا

bg-lvb-schimon1818

ربما تكون الحقيقة الأولى الصادمة عن سوناتا البيانو رقم 29 وغيرها من الأعمال العبقرية التي كُتبت في الفترة الاخيره من حياة بيتهوڤن كالسمفونية التاسعة و رباعية الوتريات رقم 14، أن بيتهوڤن نفسه لم يكن يستطيع ان يسمع تلك الأعمال بسبب صممه التام، لقد كانت وسيلته الوحيدة للتواصل مع الناس هي الكتابة على ‘ دفتر المحادثات’ الذي مازال مرجعاً مهماً للباحثين عن حياته.

إنه لمن العجيب حقاً; فكلما ازداد فقدانه لحاسة السمع ازداد ابداعه لأعمال موسيقية مُتقنه وعبقرية يَعجز أفضل الموسيقيين تعليماً و أكثرهم رهافة للسمع أن يكتب عملاً قريبا من تلك الأعمال و التي تحمل في كل واحدة منها أفكاراً موسيقية مبتكره ومختلفه.

أرى حرمانه من أعز مايملك في اللوحات التي تصور ملامح وجهه المتجهمه وفي موسيقاه التي لاتخلو من نبرة الغضب والكثير من علامات الفورتيه ƒ والفورتيسمو ƒƒ و في المواقف التي اشتُهرت عنه، كصراخه أمام الجمهور المندهش من مهارته في الارتجال  ب “ أنتم أغبياء ! أغبياء ! أغبياء، جميعكم أغبياء !!”

بيتهوڤن و چوته في تيبلتز 1812

بيتهوڤن و چوته في تيبلتز 1812

بيتهوڤن يريدنا أن ننصت الى موسيقاه، أن يتركز جُل اهتمام المستمع لها، لم يرغب يوماً بإرضاء أذواق المستمعين بل رغب احترام الناس وتقديرهم لما يسمعوه منه. لهذا لم يكن متحذلقا للناس، عاش وحيدا ولم تنجح أي من محاولاته العاطفيه. و بعد موت أخيه تعلق بشكل مهووس بابن ذلك الأخ كارل. لدرجه حاول الابن الانتحار بعد حرمانه من امه و سوء المعامله التي تلقاها منه.

بالطبع لم يستطع بيتهوڤن تقبّل حقيقة فقدانه السمع وعندما ازدادت صحته سوءاً و فشلت كل محاولاته في العلاج، نوى الانتحار و انهاء مهزلة الحياه. ولكنه وجد في نفسه الكثير والكثير ليُقال من خلال الموسيقى حتى و إن لم يكن يسمع من اذنه الخارجيه فإنه يستطيع السماع من قلبه و خياله الخصب الذي غالباً مايُنتج مايُمكن إحياءه على الواقع من خلال كتابة الموسيقى، كتابتها فقط.

كان ذلك في عام 1802 عندما كتب وصية هَايلِيچنْشتدت ( نسبة الى القريه التي سكن فيها عند كتابته للوصية) و ظلت مخبأه 25 سنه طيلة حياته..

 لأخوَيْ، كارل و يوهان بيتهوڤن

يا من تظنون أو تقولون أنني حقود، عنيد و كارهٌ لكم. كيف أخطأتم في حقي على هذا النحو الجسيم. إنكم لا تعرفون السر الذي جعلني أبدو هكذا. منذ الطفولة وقلبي وعقلي مملوآن بمشاعر المودة الفياضة. كنت طموحا لإنجاز أعمال عظيمة، ولكن بالمقابل، أصبحت منذ ست سنوات، حالةً ميؤساً منها، تتردى تحت أعين أطباء منزوعي الشعور، اُخدع سنة بعد سنة بأمل التحسن. ولكنني أخيرا واجهت مُجبراً حقيقة مَرضي الدائم (الذي يتطلب علاجه سنوات طويلة، إن لم يكن علاجه مستحيلا أصلا). وُلدت بطبعٍ انفعالي وحيوي، و كنت معرضاً لمخالطة مجتمعات عدة، ولكني سريعا ما أُجبرت على عزل نفسي، للعيش في الوحدة. وأحياناً عندما أحاول تجاهل كل ذلك، أُصدم بقسوة وبحزن شديدين بسبب حالة سمعي السيئة. و أيضا كان من المستحيل علي أن أطلب من الناس أن يتحدثوا بصوت أعلى، أن أصرخ “ أنا أصم” . كيف من الممكن أن أُقر بمرض كهذا؟ بالحاسة الوحيدة التي يجب أن تكون مثالية عندي أكثر من أي شخص آخر. الحاسة التي عندما امتكلتها كانت بأعلى كمالٍ فيها. كمال كالذي يتمتع أو تمتع به القليل ممن يعملون مهنتي. إنني لا أستطيع فعل ذلك، لذا سامحوني إذا رأيتموني أتراجع وأنا أتمنى بكل سرور أن أنضم لكم. مصيبتي شديدة الألم لأنها حتما ستجعلني عسيرا على الفهم. بالنسبة لي، لا يوجد هناك تسليات في مجتمع زملائي، لا علاقة ثقافيه، ولا تبادل مشترك للأفكار، والقله القليله من أفضلهم يتطلب التهيئه للحوار. رغم أنني احيانا أمضي عكس ذلك، خاضعاً لهواي تجاه المجتمع. ولكن كم هو مُخزٍ أن يقف شخص بجانبي و يسمع صوت فلوت من بعيد و أنا لا أسمع شيئاً، أو شخصاً آخر يسمع راعياً يُغني و مرة أخرى لا أسمع شيئاً. هذه الحوادث وضعتني على شفير اليأس، ولو تمكن اليأس مني أكثر من ذلك بقليل، لَكُنت وضعت حداً لحياتي. الفن وحده منعني عن ذلك. يبدو أنه من المستحيل علي ترك هذا العالم حتى أُنتج كل الذي شعرت أنه ينادي علي لأوجده. لذلك أنا أتحمّل هذا الوجود البائس، بائسٌ حقاً. يالهذا الجسد الحساس، إن أدنى تغير مفاجئ فيه قادر على أن يرميه من أحسن حال لأسوئها. إنني مريض الآن، وقد قيل لي أنه علي اختيار قائدي. وقد فعلت ذلك. آمل أن يظلّ عزمي ثابتاً لأصمد حتى أُرضي الآلهة فيقطعون الخيط. ربما سأتحسن، وربما لا، أنا جاهز لكل الاحتمالات. أُجبرت سابقا وأنا بعمر الثمانية والعشرين سنة على أن أصبح فيلسوفاً ، وهو أمرٌ غير يسير، و غير يسير على الفنان أكثر من أي إنسان آخر. إلهي، أنت الوحيد الأقرب لأعماق روحي، أنت الأعلم بها، أنت الأعلم بذلك الحب و تلك الرغبه لفعل الخير فيّ. أيها الناس، في اليوم الذي تقرؤون فيه هذه الكلمات، فكّروا بأنكم كنتم مخطئين بحقي و الآسف منكم فَليُرح نفسه ويجد إنسانا يشبهه، إنسانا تجاوز كل عوائق الطبيعة وفعل كل مافي وسعه ليُقبَل بين الفنانين والرجال الفاضلين. إخوتي كارل و يوهان، حالما أموت، وإذا كان د.شمِدت مازال حياً، اسألوه بإسمي ليصف لكم مرضي، وارفقوا تاريخ مرضي مع هذه الوثيقه حتى يتسنى للعالم بقدر المستطاع أن يتصالح معي بعد موتي. بنفس الوقت إنني أُأكد لكما أنكم ستكونون ورثاء ثروتي الصغيره (إذا كان من الممكن تسميتها بذلك). قسموها بعدل، تحملوا مساعدة بعضكم. الجروح التي سببتموها لي تعرفون أنها مغفوره منذ زمن طويل. لك يا أخي كارل شكرا خاصا للتعلق الذي أبديته لي في الفترة الأخيرة. آمالي لك بأن تكون حياتك أفضل، متمتعا بتمام الصحة التي لن تحتاج معها لمن يرعاك. أنصحك بالفضيله لأبنائك، هي وحدها التي تعطي السعادة، ليس المال، أنا أتحدث من واقع تجربة. إن الفضيله هي وحدها من أيدتني في مأساتي، هي وبجانبها فني الذي أدين له بكوني لم أُنهِ حياتي بالانتحار. الوداع و أحبوا بعضكم. إنني أشكر كل أصدقائي، خصوصاً الأمير ليكنوفسكي والبروفوسور شمِدت. أرغب أن تكون الآلات التي من الأمير L. محفوظة عند أحد منكم، و لكن لاتدعوا نزاعاً يحدث بسبب هذا الأمر. وعندما تجدون أن بيعها سينفعكم أكثر، بيعوها. كم سأكون سعيداً عندما أتمكن من خدمتكم وأنا في قبري، إنني بفرحٍ أسارع للموت. وإذا أتى قبل أن أُمنح الفرصه لأعرض كل قدراتي الفنية، فسيكون قد أتى باكراً بالرغم من قدَري الصعب، وسأتمنى على الأرجح ان يأتي لاحقاً. و لكن برغم ذلك أنا راضٍ، ألن يحررني الموت من حالة العذاب اللامنتهي؟ تَعالَ متى أرادت مشيئته، سألتقيك بشجاعه. الوداع و لاتنسوني عندما أموت. إنني أستحق ذلك منكم،  فكثيرا ما كنت أفكر كيف أجعلكم سعداء. كونوا كذلك.

هَايلِيچنْشتدت

السادس من اكتوبر 1802  لودفيچ ڤان بيتهوڤن

لأخوتي كارل و يوهان

تُقرأ و تُنفذ بعد موتي.

وجدت هذه الوصية بعد أيام من موته مخبأه مع رسائل أخرى،، فقدان السمع صعب جدا على الانسان العادي الذي لايرغب سوى بسماع صوت من يحب و صوت الطبيعه حوله، ولكن في حالة بيتهوڤن، في حالة المؤلف الموسيقي الذي تتركز حياته و سببه الأول في وجوده بهذه الحياه على الموسيقى التي لايتكوّن وجودها الا عند الاستماع.

كتب بيتهوڤن السوناتا رقم 29 عام 1818، وسمّاها ب هَمركلاڤير (الاسم الألماني لآلة البيانو). اختيار هذا الأسم لم يكن مصادفه فقد تلقى هدية ثمينه من لندن ; بيانو من الصانع برودوود يحوي ستة أوكتڤات! هذا المدى الصوتي الواسع الذي يحوي 73 مفتاحا لم يُسمع من قبل في زمن بيتهوڤن، (البيانو الحالي يحوي الآن سبعة أوكتڤات وثلث اي 88 مفتاحا) بالرغم من ان بيتهوڤن لم يسمع فعلياً صوت البيانو الا انه استخدم و بجداره المدى الأوسع الذي اُبتكر، مثلا عند استخدامه للكوردات التي لاتقل عن 4 او 5 نوتات في الهارموني المصاحب لِ اللحن والتي تُعطي ضخامة في الصوت ومساحة اكبر للاستماع، ايضا هناك السلالم التي تمتد من اول البيانو لآخره، و تركيزه على النوتات العاليه جدا و المنخفضه جدا في مقاطع عديده، عوضاً عن ذلك جعل من هذه السوناتا سمفونية و بأبعاد اوركستراليه، بالطبع فآلة البيانو تختزل بمداها الصوتي الكامل جميع آلات الاوركسترا.. بيتهوڤن كتب مرة لأحد ناشريه عن الهمركلاڤير:

السوناتا ستمنح عازفي البيانو بعض العقبات، والتي سيعزفونها خمسين سنة تاليه.

بيانو البرودوود الذي أُهدي لبيتهوڤن

بيانو البرودوود الذي أُهدي لبيتهوڤن

كان يعرف انه قد كتب عملاً مهيباً بهذا الحجم. فالسوناتا تتطلب لعزفها تكنيك عالي لدى العازف وقوه تركيز ودقه. انها القطعه الوحيده التي حرص بيتهوفن على ان يكتب عليها علامات سرعة العزف (tempo) مضبوطة برقم دقيق، وعوضا عن ضخامتها فهي صارمه و معقده، كُتبت لتُعبر ليس عن الجمال فقط، بل عن أعمق النزاعات الداخليه للنفس الانسانيه، عن مشاعر مختلطه تعجز عن تحديد ماهيتها، هكذا هو بيتهوڤن، لا نستطيع بكل بساطه ان نصف أصغر أعماله بمعنى واحد واضح، مثلا في الحركة الاولى من سوناتا ضوء القمر المشهوره لايمكن ان تُوصف بأنها تأمليه فقط او حزينه او رومانسيه فقط.

بيتهوفن عندما كتب هذه السوناتا كان مهووسا بفكرة واحده؛ المسافات الثالثه. كوَنت هذه الفكره أغلب الالحان و انصاف الالحان و الهارموني المصاحب في كل الحركات الاربع، أشبع السوناتا تماما بها.

الموسيقى، أي نوع من الموسيقى، تستند إلى نظام نغمي مألوف و فطري لدى الأذن البشريه، اعني بالنظام هو المسافات المحدده مسبقا بين النوتات السبعه، لكل نوع من السلالم مثلا سلم الميجور او سلم المينور هناك نظام للمسافات التي تفصل بين نغمة و أخرى، أحد أهم قواعد هذا النظام هو العلاقه بين النوتة الأولى والنوتة الخامسة من السلم نفسه. عندما تبدأ اي قطعه موسيقيه فإنها تبدأ من ذلك المفتاح الأول (Tonic)، لتُحدد السلم للمُستمع (مثلا: قطعه مكتوبة على سلم G ميجور، فإن أول نغمه أو أول كورد يجب أن تكون على نغمة G ميجور) ثم بعد خروجها من المفتاح الأول (البيت الذي وُلدت فيه) تبدأ الموسيقى في رحلة بحث عن مكان تلتجأ إليه، عن درجة صوتيه تستقر فيها؛ المفتاح الخامس أو مايسمى بالدومننت (Dominant). لتعود وتختم رحلتها بعودتها للبيت (المفتاح الأول).

هذا النظام الفطري للموسيقى عُبث به في أوائل القرن العشرين واختَرع الموسيقي شونبرغ ما يسمى بالموسيقى الغير نغمية (Twelve-tone technique) و التي لاتستند حسب معرفتي لأي نظام يربط النغمات ببعضها. فوضى من الأصوات الغريبه لاتسلك طريقاً واضحاً ليصل بنا إلى هدف نهائي.

هناك تسميه أخرى للنظام النغمي المعروف تحدث عنها الاستاذ والبيانِست “ Jonathan Biss”  يقول ان النغمة الأولى من السلم تُعبّر عن الزمن الحاضر، والخامسة تُعبّر عن رؤيتنا للمستقبل، والنغمة الرابعة (Subdominant) تعود بنا الى ماحدث في الماضي، والثالثة تعطي شعوراً بلانهائية الكون .

في هذه السوناتا بيتهوڤن لم يُوظف المفتاح الخامس بشكل كافي و تجاهل قاعدة أساسيه في الموسيقى، و بدلاً من الخامس وظّف بشكل أساسي المفتاح الثالث، ربما ليغرّق القطعه بالشعور باللانهائيه و يأخذنا برحلة معدومة الحدود، لانعرف بدايتها من نهايتها.  ينطبق ذلك الشعور كثيرا على الحركة الثالثه (الأداچيو) من سوناتا الهمركلاڤير، الحركة الأطول في السوناتا بكاملها. والتي وصفها عازف البيانو كيمبف بالتالي :

“ … لم تُكتب من قبل أداچيو بهذه الضخامه و بهذا التطلع، في هذه الأداچيو بيتهوڤن يستعرض أعمق أبعاد روح الانسان، والذي لم يكن باستطاعته الوصول لها لولا مساعدة وحي إلهي ..”

تجدون هنا الأداجيو معزوفةً من ألفريد بريندل، و كذلك المقاطع المقتبسه القادمه هي من نفس التسجيل :

تُفتتح هذه الحركه بكوردات عميقه يتخللها اللحن الرئيسي الأول معزوفاً على مفتاح F#، اللحن يُغرقنا بالشعور بوحدة جاثمه وحزن ثقيل، و يُحيطنا بمكانٍ مُوحش، بارد و مظلم..

hammerklavier mov3 theme 1

https://adagioclassical.com/wp-content/uploads/2015/04/hammerklavier-mov3-theme-1.mp3

وفي وسط هذه الظروف يظهر اللحن الثاني كخيط من أمل سماويٍ مشرق، ومكتوبا على مفتاح G ميجور

hammerklavier mov3 theme 2

https://adagioclassical.com/wp-content/uploads/2015/04/hammerklavier-mov3-theme-2.mp3

فتُثار محاورات بين اللحنين تنتهي بنقلة transition يصبح اللحن فيها مشرقا ومُنسابا بعفويه و الريثم سهل الملاحظه، ليبدأ بعدها باستعراض ألحان فرعيه صغيره اغلبها يعتمد تركيبها على المسافه الثالثه، حتى يصل لتطوير سريع لتلك الالحان الذي لم يزد على صفحة واحده، ثم في جزء اعادة تلك الألحان (والذي من المفترض ان تكون الألحان فيه كما كُتبت أول مره) قام بيتهوفن بإعادة اللحن الرئيسي الأول بشكل عجيب كما لو انه أُولّف من جديد ليمثل هذا الجزء لحظه الذروه (Climax) في حركة الاداچيو بكاملها.

https://adagioclassical.com/wp-content/uploads/2015/04/hammerklavier-mov3-climax.mp3

و بعد ان اختتمت هذه الأداچيو الاستثنائيه بخاتمه هادئه لاتكاد تلاحظ ابتدأت الحركة الرابعه و كأنها إفاقة من حلم عميق بنوتة F معزوفة على كل الدرجات الممكنه من اخفضها الى اعلاها ثم تعزف كوردات عديدة تبدو وكأنها محاولة ايجاد المفتاح الصحيح

F ؟ لا

 C# ؟ ايضا لا

A# ؟ ربما

F# ؟ جيد،  ثم ينساب لحن سريع على هذا المفتاح ليقف فجأه و كأن المفتاح الذي اختاره لم يكن مناسبا فيعود لاختياراته

D# ؟ لا

B Maj ؟ نعم !

https://adagioclassical.com/wp-content/uploads/2015/04/hammerklavier-fugue-1.mp3

و هكذا يستمر بالتبديل بين المفاتيح حتى يصل الى المفتاح الأصلي لهذه السوناتا B♭major عندها يعزف اللحن الرئيسي للفيوچ، ذلك اللحن الذي لايضاهي اي لحن فيوچي آخر، صعب للغايه و طويل بحيث يصل الى أحد عشرة مازوره، كروماتيكي (لايستند الى مفتاح معين)، و عوضا عن ذلك يبدأ هذا اللحن بالتريلز، هذه الاداه التي لاتزيد على ان تكون زخرفة ثانويه، جعلها بيتهوڤن عنصراً أساسياً للحن فيوچي ! ، بهذا تفوق بيتهوفن على باخ الماستر الأول لقالب الفيوچ.

hammerklavier mov4 fugue theme

https://adagioclassical.com/wp-content/uploads/2015/04/hammerklavier-fugue-theme.mp3

استخدم بيتهوڤن كل فكرة ممكنه ليصنع الفيوچ، جعل الالحان تتداخل ببعضها و تتبادل تكملة اللحن على درجاتها الصوتيه المختلفه، جعل الالحان متعاكسه كما تتعاكس الصور في المرآه، و استخدم أداة الريتروچريد التي يتراجع فيها اللحن إلى الخلف (فتكون أول نوتة فيه هي آخر نوته و آخر نوتة هي الأولى) و في خضم هذه الفوضى المعقده من الاصوات الغير مترابطه و كأنها موسيقى القرن العشرين الغير نغميه (التي اخترعت بعده باكثر من قرن) يظهر لحن كورالي يعود بنا إلى ألحان العصور الوسطى المونوفونيه (خط لحني واحد) هادئ و مشبع بالسلام الروحي .

https://adagioclassical.com/wp-content/uploads/2015/04/hammerklavier-fugue-choral-theme.mp3

مذهل كيف استطاع بيتهوڤن أن يجمع موسيقى الكون بأكمله في مقطوعة واحدة و هو فاقد تماما حاسة السمع.

عازف البيانو كيمبف  وصف هذه الحركه بالتالي :

 “.. و ذلك الفيوچ العظيم تأليفٌ عجيب، الذي يجب أن يُقرأ بدلاً من ان يُسمع. فن الكاونتربوينت بأكمله اجتُمع بجرأة مذهله. وأكثر من ذلك، بيتهوڤن كتب عليها كلمات قليله تُفهم وكأنها اعتذار: ” فيوچ مع بعض الاباحات” و بهذه الاباحات تكمن أصالة هذه الفيوچ. هكذا بيتهوڤن يضفي روحاً جديده لهذا القالب المهيب. و لكنه مع ذلك لم يتلفها. هو يحترم القوانين العريقة للفيوچ. فالأصوات المختلفه التي تتطور بحرية تعود بالنهايه لتُطيع القوة الخارقة للهارموني. لايوجد فوضى هنا، بل احترام عميق للقوانين الأبديه التي دائما ماتنظم حركات النجوم والكواكب. بالنسبة لي هذه فعلا موسيقى كونية.”

من الواضح ان هذه السوناتا من المستوى الرفيع جدا، الكثير من العازفين المشهورين والخالدين لم يتجرأوا و يخوضوا تجربة عزفها، او ربما لم يجدوا فيها مايرغبون بالتعبير عنه من خلالها، وجدت عدة عازفين من مدارس مختلفه ابدعوا في عزفها كلٌ و رؤيته الخاصه التي يصعب شرحها و تتضح بالاستماع بشكل أفضل، اخترت الحركة الأولى المشرقه و الحيويه لتظهر قدرات العازفين كما في الفيديو :

 و للاستماع للعمل بأكمله تجدون عزف السوڤييتي الراحل چيللس في حفلة موسكو كونسرفتوار عام 1984

التصنيفات

  • Uncategorized
  • قصة تُحكى
  • تحليل موسيقي

أحدث التدوينات

  • فرانز شوبرت أوت 6, 2016
  • رحلة الشتاء أوت 5, 2016
  • سوناتا الهَمركلاڤير لِبيتهوڤن أفريل 26, 2015

المدونة على ووردبريس.كوم.

  • اشترك مشترك
    • اداچيو
    • ألديك حساب ووردبريس.كوم؟ تسجيل الدخول الآن.
    • اداچيو
    • اشترك مشترك
    • تسجيل
    • تسجيل الدخول
    • إبلاغ عن هذا المحتوى
    • مشاهدة الموقع في وضع "القارئ"
    • إدارة الاشتراكات
    • طي هذا الشريط
 

تحميل التعليقات...